صديق الحسيني القنوجي البخاري
64
فتح البيان في مقاصد القرآن
الضلال ، وضعا للمسبب موضع السبب لقوة أمره ، ثم عقب المجاز بما يناسبه من قوله تنقذ بدل تهدي فهو ترشيح ، ولما ذكر سبحانه فيما سبق أن لأهل الشقاوة ظللا من فوقهم من النار ومن تحتهم ظللا استدرك عنهم من كان من أهل السعادة فقال : [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 20 إلى 21 ] لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ ( 20 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 21 ) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ وهم الذين خوطبوا بقوله : يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ووصفوا بما عدد من الصفات الفاضلة ، وهم المخاطبون أيضا فيما سبق بقوله : يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ الآية ، وقيل لكن ليست للاستدراك لأنه لم يأت قبله نفي ، بل هو إضراب عن قصة إلى قصة مخالفة للأولى . لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ أي منازل في الجنة رفيعة ، فوقها منازل هي أرفع منها ، وذلك لأن الجنة درجات بعضها فوق بعض وقوله لهم غرف في معنى وعدهم اللّه بذلك ، وعدا لا يخلفه وأنها مَبْنِيَّةٌ بناء المنازل في إحكام أساسها وقوة بنائها ، وإن كانت منازل الدنيا ليست بشيء بالنسبة إليها . تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت تلك الغرف الفوقانية والتحتانية وفي ذلك كمال لبهجتها ، وزيادة لرونقها وانتصاب وَعْدَ اللَّهِ على المصدرية المؤكدة لمضمون الجملة لأن قوله لهم غرف في معنى وعدهم اللّه ذلك ، وجملة : لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ مقررة للوعد ، أي لا يخلف اللّه ما وعد به الفريقين من الخير والشر ، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن أهل الجنة يتراؤون أهل الغرف من فوقهم كما يتراؤون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق ، أو المغرب ، لتفاضل ما بينهم ، فقالوا يا رسول اللّه تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ، قال بلى والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا باللّه وصدقوا المرسلين » « 1 » ، متفق عليه . ولما ذكر سبحانه الجنة ووصفها بوصف يوجب الرغبة والشوق إليها أتبعه بذكر الدنيا ووصفها بوصف يوجب الرغبة عنها ، والنفرة منها ، فذكر تمثيلا لها في سرعة زوالها وقرب اضمحلالها ، مع ما في ذلك من ذكر نوع من أنواع قدرته الباهرة ، وصنعه البديع فقال :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 8 ، والرقاق 51 ، ومسلم في الجنة حديث 10 ، 11 ، والترمذي في الجنة باب 19 ، والدارمي في الرقاق باب 107 ، وأحمد في المسند 2 / 335 ، 339 ، 5 / 340 .