صديق الحسيني القنوجي البخاري

62

فتح البيان في مقاصد القرآن

عليهم وقيل هو للكفار ، وأهل المعاصي وقيل هو عام للمسلمين والكفار . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 17 إلى 19 ] وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 18 ) أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ( 19 ) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ هو بناء مبالغة في المصدر كالرحموت والعظموت وهو الأوثان والشيطان ، وقال مجاهد وابن زيد : هو الشيطان وقال الضحاك والسدي : هو الأوثان وقيل : إنه الكاهن ، وقيل : هو اسم أعجمي مثل طالوت وجالوت ، وقيل : إنه اسم عربي مشتق من الطغيان إلا أن فيها قلبا بتقديم اللام على العين ، وفيها مبالغات ، وهي التسمية بالمصدر كأن عين الشيطان طغيان ، وإن البناء بناء مبالغة وهو للاختصاص إذ لا تطلق على غير الشيطان قال الأخفش : الطاغوت جمع ، ويجوز أن يكون واحده مؤنثا ، والمعنى أعرضوا عن عبادته وخصوا عبادتهم باللّه عز وجل ، وقوله : أَنْ يَعْبُدُوها في محل نصب على البدل من الطاغوت ، بدل اشتمال كأنه قال اجتنبوا عبادة الطاغوت ، وقد تقدم الكلام على تفسير الطاغوت مستوفى في سورة البقرة . وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ معطوف على اجتنبوا ، والمعنى رجعوا إليه بالكلية ، وأقبلوا على عبادته ، معرضين عما سواه لَهُمُ الْبُشْرى بالثواب الجزيل وهو الجنة ، وهذه البشرى إما على ألسنة الرسل ، أو على ألسنة الملائكة عند حضور الموت أو عند البعث أو من اللّه تعالى لقوله : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [ الأحزاب : 44 ] ولا مانع أن يكون من اللّه ومن الملائكة ، فإن فضل اللّه واسع . وقيل : لهم البشرى في الدنيا بالثناء عليهم بصالح أعمالهم ، وعند الوضع في القبر ، وفي الآخرة عند الخروج من القبر وعند الوقوف للحساب ، وعند جواز الصراط وعند دخول الجنة ، وفي الجنة ، ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة ، بنوع من الخير والراحة والروح والريحان . فَبَشِّرْ عِبادِ المراد بالعباد هنا العموم فيدخل الموصوفون بالاجتناب والإنابة إليه دخولا أوليا وقيل : المراد بهم هم الموصوفون باجتناب الأوثان والإنابة إلى اللّه فالمقام للضمير ، وإنما أتى به ظاهرا توصلا لوصفهم بما ذكر . الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ الحق من كتاب اللّه وسنة رسوله فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أي محكمه ، ويعملون به قال السدي : يتبعون أحسن ما يؤمرون به فيعملون بما فيه ، وقيل : هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به ، وقيل : يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن .