صديق الحسيني القنوجي البخاري
61
فتح البيان في مقاصد القرآن
كقوله : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت : 40 ] وفيه إيذان بأنهم لا يعبدون اللّه تعالى ، وقيل إن الأمر على حقيقته ، وهو منسوخ بآية السيف ، والأول أولى . قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الكاملين في الخسران هم الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بتخليد الأنفس في النار وبعدم وصولهم إلى الحور المعدة لهم في الجنة لو آمنوا لأن من دخل النار فقد خسر نفسه وأهله ، وأهلي جمع أهل وأصله أهلون أو أهلين والمراد بأهليهم أهل الآخرة ، وقيل أزواجهم وخدمهم وقيل أهلهم في الدنيا لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم ، كما خسروا أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده . قال الزجاج وهذا يعني به الكفار ، فإنهم خسروا أنفسهم بالتخليد في النار ، وخسروا أهليهم لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة ، قال ابن عباس في الآية هم الكفار الذين خلقهم للنار ، زالت عنهم الدنيا وحرمت عليهم الجنة ، وعنه قال أهليهم من أهل الجنة ، كانوا أعدوا لهم لو أطاعوا اللّه فغيبوهم . أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ مستأنفة لتأكيد ما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه للاشعار بأن هذا الخسران الذي حل بهم قد بلغ من العظم إلى غاية ليس فوقها غاية ، وكذلك تعريف الخسران ووصفه بكونه مبينا ، فإنه يدل على أنه الفرد الكامل من أفراد الخسران وأنه لا خسران يساويه ولا عقوبة تدانيه ثم بين سبحانه هذا الخسران الذي حل بهم والبلاء النازل عليهم بعد تهويله بطريق الابهام فقال : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ الظلل عبارة عن أطباق النار أي لهم من فوقهم أطباق وسرادقات وقطع كبار من النار تلتهب عليهم وإطلاق الظلل عليها تهكم وإلا فهي محرقة والظلة تقي من الحر . وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ أي أطباق من النار وفراش ومهاد وسمي ما تحتهم ظلالا لأنها من إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر ، أو أن الظلة التحتانية لما كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الايذاء والحرارة سميت باسمها لأجل المماثلة والمشابهة أو لأنها تظل من تحتها من أهل النار لأن طبقات النار صارت في كل طبقة منها طائفة من طوائف الكفار ، ومثل هذه الآية قوله : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [ الأعراف : 41 ] وقوله : يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ العنكبوت : 55 ] . ذلِكَ أي ما تقدم ذكره من وصف عذابهم في النار وهو مبتدأ وخبره قوله : يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ المؤمنين أي يحذرهم بما توعد به الكفار من العذاب ليخافوه فيتقوه وهو معنى يا عِبادِ فَاتَّقُونِ أي اتقوا هذه المعاصي الموجبة لمثل هذا العذاب على الكفار ، ووجه تخصيص العباد بالمؤمنين أن الغالب في القرآن إطلاق لفظ العباد