صديق الحسيني القنوجي البخاري

56

فتح البيان في مقاصد القرآن

من التهديد أمر عظيم ، قيل : نزلت في عتبة بن ربيعة ، وقيل : في أبي حذيفة المخزومي ، وقيل : هو عام في كل كافر ، وهو الأوفق بقواعد الشريعة . ثم لما ذكر سبحانه صفات المشركين وتمسكهم بغير اللّه عند اندفاع المكروهات عنهم ذكر صفات المؤمنين فقال : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ هذا إلى آخره من تمام الكلام المأمور به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمعنى أذلك الكافر أحسن حالا ومآلا أمن هو قائم بطاعات اللّه في السراء والضراء ، في ساعات الليل ، مستمر على ذلك ، غير مقتصر على دعاء اللّه سبحانه عند نزول الضرر به ؟ قرىء : أمن بالتشديد وبالتخفيف ، فعلى القراءة الأولى ( أ ) داخلة على ( من ) الموصولة ، وأدغمت الميم في الميم وأم هي المتصلة ، ومعادلها محذوف ، أي الكافر خير ؟ أم الذي هو قانت ؟ وقيل ، هي المنقطعة مقدرة ببل والهمزة ، أي بل أمن هو قانت كالكافر ؟ وعلى الثانية الهمزة للاستفهام ، والاستفهام للتقرير ، ومقابله محذوف ، أي أمن هو قانت كمن كفر ؟ وقال الفراء إن الهمزة في هذه القراءة للنداء ، ومن منادى ، وهي عبارة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المأمور بقوله : قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا والتقدير : يا من هو قانت قل : كيت وكيت ، وقيل : التقدير يا من هو قانت إنك من أصحاب الجنة ، ومن القائلين بأن الهمزة للنداء الفراء ، وضعف ذلك أبو حيان وقال هو أجنبي عما قبله وعما بعده ، وقد سبقه إلى هذا التضعيف أبو علي الفارسي ، واعترض على هذه القراءة من أصلها أبو حاتم والأخفش ولا وجه لذلك ، فإنها إذا ثبتت الرواية بطلت الدراية . وقد اختلف في تفسير القانت هنا فقيل المطيع ، وقيل : الخاشع أو القائم في صلاته ، وقيل : الداعي لربه ، قال النحاس : أصل القنوت الطاعة فكل ما قيل فيه فهو داخل في الطاعة . آناءَ اللَّيْلِ جمع إني بكسر الهمزة والقصر كمعى وأمعاء ، وقيل : واحدها أنو ، يقال : مضى من الليل أنيان وأنوان والمراد بآناء الليل ساعاته وأوقاته ، وقيل : جوفه ، وقيل : ما بين المغرب والعشاء ، وقيل : أوله وأوسطه وآخره . ساجِداً وَقائِماً منصوبان على الحال ، أي جامعا بين السجود والقيام في الصلاة ، وقدم السجود على القيام لكونه أدخل في العبادة ، والآية دلت على ترجيح قيام الليل على النهار ، وأنه أفضل منه وذلك لأن الليل أستر فيكون أبعد عن الرياء ، ولأن ظلمة الليل تجمع الهم وتمنع البصر عن النظر إلى الأشياء وإذا صار القلب فارغا عن الاشتغال بالأحوال الخارجية رجع إلى المطلوب الأصلي ، وهو الخشوع في الصلاة ، ومعرفة من يصلي له .