صديق الحسيني القنوجي البخاري

57

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل لأن الليل وقت النوم ومظنة الراحة فيكون قيامه أشق على النفس ، فيكون الثواب فيه أكثر قال ابن عباس : من أحب أن يهون اللّه عليه الوقوف يوم القيامة فليره اللّه في ظلمة الليل ، ذكره القرطبي . يَحْذَرُ الْآخِرَةَ أي يحذر عذاب الآخرة قاله سعيد بن جبير ومقاتل وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ فيجمع بين الرجاء والخوف وما اجتمعا في قلب رجل إلا فاز قيل : وفي الكلام حذف تقديره كمن لا يفعل شيئا من ذلك ، كما يدل عليه السياق ، قيل : الرحمة هنا المغفرة ، وقيل : الجنة ، وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل ، وأولى أن ينسب إلى اللّه تعالى . وعن ابن عمر أنه تلا هذه الآية وقال « ذاك عثمان بن عفان » . وفي لفظ نزلت في عثمان بن عفان وعن ابن عباس قال : نزلت في عمار بن ياسر . وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال « دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على رجل وهو في الموت فقال كيف تجدك ؟ قال أرجو اللّه وأخاف ذنوبي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه اللّه الذي يرجو ، وأمنه الذي يخاف » « 1 » أخرجوه من طريق سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال الترمذي : غريب ، وقد رواه بعضهم عن ثابت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرسلا . ثم أمر اللّه سبحانه رسوله أن يقول لهم قولا آخر ، يتبين به الحق من الباطل فقال : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ إن ما وعد اللّه به من البعث والثواب والعقاب حق وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذلك أو الذين يعلمون ما أنزل اللّه على رسله والذين لا يعلمون ذلك أو المراد العلماء والجهال ، ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء بين العلم والجهل ، ولا بين العالم والجاهل . قال الزجاج أي كما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون كذلك لا يستوي المطيع والعاصي . وقيل المراد بالذين يعلمون هم العاملون بعلمهم ، فإنهم المنتفعون به لأن من لم يعمل بمنزلة من لم يعلم ، وقيل : افتتح اللّه الآية بالعمل وختمها بالعلم ، لأن العمل من باب المجاهدات والعلم من باب المكاشفات ، وهو النهاية فإذا حصل للإنسان دل ذلك على كماله وفضله . إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أي إنما يتعظ بوعظ اللّه ويتدبر ويتفكر فيه أصحاب العقول الصافية ، والقلوب النيرة ، وهم المؤمنون لا الكفار ، فإنهم وإن زعموا أن لهم عقولا فهي كالعدم ، وهذه الجملة ليست من جملة الكلام المأمور به ، بل من جهة اللّه

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الجنائز باب 11 ، وابن ماجة في الزهد باب 31 .