صديق الحسيني القنوجي البخاري

55

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي لا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس أخرى ، وهذا بيان لعدم سراية كفر الكافر لغيره أصلا ، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من خير وشر ، وفيه تهديد شديد إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما تضمره القلوب وتستره ، فكيف بما تظهره وتبديه ، وهذا تعليل بالتنبيه بالأعمال . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ( 8 ) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 9 ) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ أي ضر كان في جسمه أو ماله أو أهله أو ولده من بلاء ومرض أو فقر أو خوف أو شدة لأن اللفظ مطلق فلا معنى لتقييده ، والمس في الأعراض مجاز . وجواب إذا قوله دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ أي راجعا إليه مستغيثا به في دفع ما نزل به تاركا لما كان يدعوه ويستغيث به من ميت أو حي ، أو صنم أو غير ذلك في حال الرخاء لعلمه أنها بمعزل عن القدرة على كشف ضره . ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ أي أعطاه وملكه ، ويقال خوله الشيء أي ملكه إياه ولا يستعمل في الجزاء ، بل في ابتداء العطية نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ أي نسي الضر الذي كان يدعو اللّه إلى كشفه عنه من قبل أن يخوله ما خوله وقيل نسي الدعاء الذي كان يتضرع به وتركه أو نسي ربه الذي كان يدعوه ، ويتضرع إليه ، ثم جاوز ذلك إلى الشرك باللّه وهو معنى قوله : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً أي شركاء من الأصنام أو غيرها ، يستغيث بها ويعبدها ؛ وقال السدي : يعني أندادا من الرجال يعتمد عليهم في جميع أموره لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ أي ليضل الناس عن طريق اللّه التي هي الإسلام والتوحيد قرأ الجمهور بضم الياء ، وقرىء بفتحها ، وهما سبعيتان ، واللام للعاقبة ، ثم أمر اللّه سبحانه وتعالى رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يهدد من كان متصفا بتلك الصفة فقال : قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا أي تمتعا قليلا أو زمانا قليلا فمتاع الدنيا قليل قال الزجاج لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد والوعيد وفيه إشعار بأن الكفر نوع تشه لا سند له ، وإقناط للكافرين من التمتع في الآخرة ، ولذلك علله بقوله : إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ على سبيل الاستئناف للمبالغة أي مصيرك إليها عن قريب ، وإنك ملازمها ومعدود من أهلها على الدوام ، وهو تعليل لقلة التمتع ، وفيه