صديق الحسيني القنوجي البخاري

54

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال أبو السعود : عدم رضاه بكفر عباده لأجل منفعتهم ودفع مضرتهم ، رحمة عليهم لا لتضرره تعالى به انتهى . ومثل هذه الآية قوله إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [ إبراهيم : 8 ] ومثلها ما ثبت في صحيح مسلم من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا » « 1 » . وقد اختلف المفسرون في هذه الآية هل هي على عمومها ؟ وأن الكفر غير مرضي للّه سبحانه على كل حال كما هو الظاهر ، أو هي خاصة ، والمعنى لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر ، وقد ذهب إلى التخصيص حبر الأمة ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه ، وتابعه على ذلك عكرمة والسدي وغيرهما ، ثم اختلفوا في الآية اختلافا آخر ، فقال قوم : إنه يريد كفر الكافر ولا يرضاه وقال الآخرون : إنه لا يريده ولا يرضاه ، والكلام في تحقيق مثل هذا يطول جدا . وقد استدل القائلون بتخصيص هذه الآية والمثبتون للإرادة مع عدم الرضا بما ثبت في آيات كثيرة من الكتاب العزيز أنه سبحانه يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ النحل : 93 ] وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] ونحو هذا مما يؤدي معناه كثير في الكتاب العزيز . قال ابن عباس في قوله : إِنْ تَكْفُرُوا الخ يعني الكفار الذين لم يرد اللّه أن يطهر قلوبهم ، فيقولوا لا إله إلا اللّه ، ثم قال : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وهم عباده المخلصون ، الذين قال فيهم إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : 42 ] فألزمهم شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وحببها إليهم أخرجه ابن جرير فيكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى ، كقوله عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [ الإنسان : 6 ] يريد بعض العباد وقال عكرمة لا يرضى لعباده المسلمين الكفر ، وعن قتادة قال ، واللّه ما رضي اللّه لعبد صلاته ، ولا أمره بها ، ولا دعاه إليها ، ولكن رضي لكم طاعته ، وأمركم بها ، ونهاكم عن معصيته ، ثم لما ذكر سبحانه أنه لا يرضى لعباده الكفر بين أنه يرضى لهم الشكر فقال : وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ أي يرضى لكم الشكر ، المدلول عليه بقوله . وإن تشكروا أي يثبكم عليه ، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة . كما قال سبحانه لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] لا لانتفاعه به ، قرىء بإسكان الهاء من يرضه ، وبإشباع الضمة على الهاء . واختلف الباقون والقراءات كلها سبعية .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 55 .