صديق الحسيني القنوجي البخاري

5

فتح البيان في مقاصد القرآن

بالحذف أولى ، وقيل إن قوله ص مقسم به وعلى هذا القول تكون الواو في والقرآن للعطف عليه ، ولما كان الإقسام بالقرآن دالا على صدقه ، وأنه حق وأنه ليس بمحل للريب قال سبحانه بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ فأضرب عن ذلك وكأنه قال لا ريب فيه قطعا ، ولم يكن عدم قبول المشركين له لريب فيه ، بل هم في عزة عن قبول الحق أي تكبر وتجبر وشقاق ، أي امتناع عن قبول الحق ، يعني ليس الحامل لهم عليه الدليل ، بل مجرد الحمية والخصام ، والتقليد ، والعزة عند العرب الغلبة والقهر ، يقال : من عزّ بزّ أي من غلب أخذ السلب ، ومنه وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ ص : 23 ] ، أي غلبني ، والشقاق مأخوذ من الشق وهو الخلاف والعداوة ، وقد تقدم بيانه ، والتنكير فيهما للدلالة على شدتهما وتفاقمهما ، وقرىء في غرة أي في غفلة عما يجب عليهم من النظر ، واتباع الحق ، والأول أولى ، ثم خوفهم سبحانه وهددهم بما فعله من قبلهم من الكفار فقال : كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الخالية المهلكة بتكذيب الرسل ، أي كم أهلكنا الذين كانوا أمنع من هؤلاء ، وأشد قوة ، وأكثر أموالا و كَمْ هي الخبرية الدالة على التكثير ، وهي في محل نصب بأهلكنا على أنها مفعول به ، ومن قرن تمييز ، و ( من ) في ( من قبلهم ) هي لابتداء الغاية . فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ النداء هنا هو نداء الاستغاثة منهم عند نزول العذاب بهم ، وليس الحين حين مناص ، قال الحسن نادوا بالتوبة ، وليس حين التوبة ، ولا حين ينفع العمل ، والمناص مصدر ناص ينوص ، وهو الفوت والتأخر ، ولات بمعنى ليس ، بلغة أهل اليمن ، وقال النحاة هي لا التي بمعنى ليس زيدت عليها التاء كما في قولهم رب وربت وثم وثمت قال الفراء النوص التأخر ، وأنشد قول امرئ القيس : أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص * فتقصر عنها خطوة وتبوص « 1 » قال يقال ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا أي فر وراغ قال الفراء ويقال ناص ينوص إذا تقدم ، وقيل المعنى أنه قال بعضهم لبعض مناص أي عليكم بالفرار والهزيمة ، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال اللّه ولات حين مناص قال سيبويه والخليل لات مشبهة بليس ، والاسم فيها مضمر ، أي ليس حيننا حين مناص ، وقال الزجاج التقدير وليس أواننا ، قال ابن كيسان والقول قول سيبويه ، والوقف عليها عند الكسائي بالهاء ، وبه قال المبرد والأخفش . وقال الأخفش إنها لا النافية للجنس زيدت

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان امرئ القيس ص 177 ، ولسان العرب ( قصر ) ، ( بوص ) ، ( نوص ) ، والبيت بلا نسبة في رصف المباني ص 435 ، وفي الديوان : « أمن ذكر سلمى » بدل : « أمن ذكر ليلى » .