صديق الحسيني القنوجي البخاري

22

فتح البيان في مقاصد القرآن

أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ قال مقاتل : قال كفار قريش للمؤمنين : إنا نعطي في الآخرة كما تعطون فنزلت وأم هي المنقطعة المقدرة ببل ، والهمزة للإضراب الانتقالي عن تقرير أمر البعث والحساب والجزاء ، بما مر من نفي خلق العالم خاليا عن الحكم والمصالح إلى تقريره وتحقيقه بما في الهمزة من إنكار التسوية بين الفريقين ، ونفيها على أبلغ وجه وآكده ؛ أي بل أنجعل الذين آمنوا باللّه وصدقوا رسله وعملوا بفرائضه كالكفرة المفسدين في أقطار الأرض بالمعاصي . قال ابن عباس في الآية الذين آمنوا عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث والمفسدون في الأرض عتبة وشيبة والوليد ثم أضرب سبحانه إضرابا آخر وانتقل عن الأول إلى ما هو أظهر استحالة منه فقال : أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ أي بل أنجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين والمنافقين ؟ وحمل الفجار على المنهمكين في معاصي اللّه سبحانه من المسلمين ، مما لا يساعده المقام ، وقيل المراد بالمتقين الصحابة ولا وجه للتخصيص بغير مخصص والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ويجوز أن يراد بهذين الفريقين عين الأولين ويكون التكرير باعتبار وصفين آخرين هما أدخل في إنكار التسوية من الوصفين الأولين . كِتابٌ أي القرآن كتاب أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ يا محمد مُبارَكٌ أي كثير الخير والبركة لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ أي التي من جملتها هذه الآيات المعربة عن أسرار التكوين والتشريع ، وهو متعلق بأنزلناه ؛ وفي الآية دليل على أن اللّه سبحانه إنما أنزل القرآن للتدبر والتفكر في معانيه لا لمجرد التلاوة بدون تدبر ، قال الحسن قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله حفظوا حروفه وضيعوا حدوده ، قرأ الجمهور لِيَدَّبَّرُوا بالادغام ، وقرىء لتدبروا بالتاء الفوقية على الخطاب وهي قراءة عليّ رضي اللّه تعالى عنه والأصل لتتدبروا . وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ أي ليتعظ أهل العقول والبصائر والألباب جمع لب وهو العقل . وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ أخبر سبحانه بأن من جملة نعمه على داود أنه وهب له سليمان ولدا ثم مدح سليمان فقال : نِعْمَ الْعَبْدُ أي سليمان فالمخصوص بالمدح محذوف ، وقيل : إن المدح هنا بقوله نعم العبد هو لداود ، والأول أولى وجملة إِنَّهُ