صديق الحسيني القنوجي البخاري
145
فتح البيان في مقاصد القرآن
ليس بالإيمان النافع لصاحبه ، فإنه إنما ينفع الإيمان الاختياري لا الإيمان الاضطراري ، والفاءات من قوله : فما أغنى إلى هنا أربع : الأولى لبيان عاقبة كثرتهم وشدة قوتهم ، أي أن عاقبتها خلاف وضد ما كانوا يؤملونه منها ، وهو نفعها ، فلم يترتب عليها ، بل ترتب عدمه ، كقولك : وعظته فلم يتعظ ، والثانية تشير لتفصيل ما أبهم وأجمل من عدم الإغناء ، والثالثة لمجرد التعقيب ، وجعل ما بعدها تابعا لما قبلها واقعا عقيبه ، لأن مضمون قوله : فلما جاءتهم الخ إنهم كفروا فكأنه قيل . فكفروا ثم لما رأوا بأسنا آمنوا والرابعة للعطف على آمنوا ، كأنه قيل : فآمنوا فلم ينفعهم ، لأن النافع هو الإيمان الاختياري . سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ أي مضت فِي عِبادِهِ المعنى أن اللّه سبحانه سن هذه السنة في الأمم كلها أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب ، وقد مضى بيان هذا مستوفى في سورة النساء وسورة التوبة ، وانتصاب سنة على أنها مصدر مؤكد لفعل محذوف بمنزلة وعد اللّه ، وما أشبهه من المصادر المؤكدة ، وقيل منصوب على التحذير أي احذروا يأهل مكة سنة اللّه في الأمم الماضية ، والأول أولى . وَ قد خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ أي وقت رؤيتهم بأس اللّه ، ومعاينتهم لعذابه على أنه اسم مكان قد استعير للزمان كما سلف آنفا قاله أبو السعود وقال السمين : لا يحتاج لهذا ، بل يصح إبقاؤه على أصله ، قال الزجاج : الكافر خاسر في كل وقت ، ولكنه يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب .