صديق الحسيني القنوجي البخاري
144
فتح البيان في مقاصد القرآن
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي في أطرافها ونواحيها فَيَنْظُرُوا بأبصارهم وبصائرهم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم التي عصت اللّه وكذبت رسلها ، فإن الآثار الموجودة في ديارهم تدل على ما نزل بهم من العقوبة ، وما صاروا إليه من سوء العاقبة ، ثم بين سبحانه أن تلك الأمم كانوا فوق هؤلاء في الكثرة والقوة فقال : كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ عددا وَأَشَدَّ قُوَّةً أي أقوى منهم أجسادا وأوسع منهم أموالا وَ أظهر منهم آثاراً فِي الْأَرْضِ بالعمائر والمصانع والحصون والصهاريج والحرث فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ يجوز أن تكون فَما الأولى نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى ، والثانية موصولة أو مصدرية مرفوعة به ، أي لم يغن عنهم أو أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم . فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج الواضحات ، والمعجزات الظاهرات فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أي أظهر الكفار الفرح بما عندهم مما يدعون أنه من العلم ، من الشبه الداحضة ، والدعاوى الزائغة ، والفنون الفاسدة ، والعلوم الكاسدة ، وسماه علما تهكما بهم ، أو على ما يعتقدونه ، وقال مجاهد : قالوا نحن أعلم منهم لن نعذب ولن نبعث ، وقيل المراد من العلم علم أحوال الدنيا لا الدين كما في قوله : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الروم : 7 ] قال النسفي : أو علم الفلاسفة والدهريين ، فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي اللّه دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم ، وعن سقراط أنه سمع بموسى وقيل له لو هاجرت إليه ؟ فقال : نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا ، أو المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء به ، كأنه قال : استهزأوا بالبينات وبما جاؤوا به من علم الوحي ، فرحين مرحين ، انتهى : وقيل : الذين فرحوا بما عندهم من العلم هم الرسل ، وذلك أنهم لما كذبهم قومهم وأعلمهم اللّه بأنه مهلك الكافرين ومنجي المؤمنين ، ففرحوا بذلك . وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أحاط بهم جزاء استهزائهم فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي عاينوا عذابنا النازل بهم في الدنيا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها . فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي عند معاينة عذابنا لأن ذلك الإيمان