صديق الحسيني القنوجي البخاري
138
فتح البيان في مقاصد القرآن
أحسن منكم ، وقيل : لم يخلقكم منكوسين كالبهائم قيل خلق ابن آدم قائما معتدلا يأكل ويتناول بيده ، وغيره يتناول بفيه ، وقال الزجاج خلقكم أحسن الحيوان كله ، قرأ الجمهور صوركم بضم الصاد ، وقرأ الأعمش وأبو رزين بكسرها قال الجوهري : والصور بكسر الصاد لغة في الصور بضمها وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي المستلذات من المأكل والمشرب من غير رزق الدواب . ذلِكُمُ المنعوت بهذه النعوت الجليلة اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي كثر خيره وبركته هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي الباقي الذي لا يفنى ، المتفرد بالألوهية ، وهذا التركيب يفيد الحصر ، وفيه إشارة إلى العلم التام والقدرة التامة الكاملة فَادْعُوهُ أي اعبدوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي الطاعة والعبادة من الشرك . الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال الفراء هو خبر وفيه إضمار أمر ، أي احمدوه عن ابن عباس قال : من قال لا إله إلا اللّه فليقل إثرها الحمد للّه رب العالمين وذلك قوله فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وعلى هذا هو من كلام المأمورين بالعبادة ، ويجوز أن يكون من كلامه تعالى على أنه استئناف لحمد ذاته بذاته . ثم أمر اللّه سبحانه رسوله أن يخبر المشركين بأن اللّه نهاه عن عبادة غيره ، وأمره بالتوحيد فقال : قُلْ لهم ردا عليهم فيما طلبوه منك وهو عبادة آلهتهم : إِنِّي نُهِيتُ نهيا عاما ببراهين العقول ونهيا خاصا بأدلة النقول أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ أي تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ وهي الأصنام ثم بين وجه النهي فقال لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وهي الأدلة العقلية والنقلية فإنها توجب التوحيد وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي استسلم له بالانقياد والخضوع ، أو الإخلاص ثم أردف هذا بذكر دليل من الأدلة الدالة على التوحيد فقال : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 67 إلى 69 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 67 ) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 68 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ( 69 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ أي خلق أباكم الأول وهو آدم ، وخلقه مِنْ تُرابٍ يستلزم خلق ذريته منه ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ قد تقدم تفسير هذا في غير موضع ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا أي أطفالا ، وأفرده لكونه اسم جنس ، أو على معنى : ثم يخرج كل واحد منكم طفلا .