صديق الحسيني القنوجي البخاري

139

فتح البيان في مقاصد القرآن

ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وهي الحالة التي تجتمع فيها القوة والعقل من الثلاثين سنة إلى الأربعين ، وقد سبق بيان الأشد مستوفى في الأنعام والتقدير لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا غاية الكمال ثُمَّ يبقيكم . لِتَكُونُوا شُيُوخاً بضم الشين وبكسرها سبعيتان وقرىء شيخا على الإفراد كقوله طفلا والشيخ من جاوز أربعين سنة ، يعني أن مراتب الإنسان بعد خروجه من بطن أمه ثلاث : الطفولية ، وهي حالة النمو والزيادة إلى أن يبلغ كمال الأشد من غير ضعف ، ثم يتناقص بعد ذلك وهي الشيخوخة . وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ أي من قبل الأشد ، ومن قبل الشيخوخة وَلِتَبْلُغُوا جميعا أَجَلًا مُسَمًّى أي وقت الموت أو يوم القيامة ، واللام هي لام التعليل أو العاقبة وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته البالغة في خلقكم على هذه الأطوار المختلفة إلى الأجل المذكور . هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي يقدر على الإحياء والإماتة فَإِذا قَضى أَمْراً من الأمور التي يريدها فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ من غير توقف على شيء من الأشياء أصلا وهذا تمثيل لتأثير قدرته في المقدورات عند تعلق إرادته بها ، وتصوير لسرعة ترتب المكونات على تكوينه ، من غير أن يكون هناك آمر ومأمور ، والفاء الأولى للدلالة على أن ما بعدها من نتائج ما قبلها من اختصاص الإحياء والإماتة به سبحانه وتعالى ، قاله أبو السعود وقد تقدم تحقيق معناه في البقرة وفيما بعدها . أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ تعجيب من أحوالهم الشنيعة وآرائهم الركيكة ، وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بكل القرآن ، وبسائر الكتب والشرائع ، وترتيب الوعيد على ذلك ، كما أن ما سبق من قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ [ غافر : 56 ] الخ بيان لابتناء جدالهم على مبنى فاسد لا يكاد يدخل تحت الوجود هو الأمنية الفارغة ، فلا تكرار فيه أي انظر إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آياته تعالى الواضحة ، الموجبة للإيمان بها الزاجرة عن الجدال فيها كيف يصرفون عنها مع تعاضد الدواعي إلى الإقبال عليها ؟ وانتفاء الصوارف عنها بالكلية ، وقيام الأدلة الدالة على صحتها ، وأنها في أنفسها موجبة للتوحيد قاله أبو السعود . وقال النسفي ذكر الجدال في هذه السورة في ثلاثة مواضع ، فجاز أن يكون في ثلاثة أقوام ، أو ثلاثة أصناف ، وللتأكيد انتهى . قال ابن زيد هم المشركون بدليل قوله الآتي الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا [ غافر : 70 ] قال القرطبي ، وقال أكثر المفسرين نزلت في القدرية ، قال ابن سيرين إن لم تكن هذه الآية نزلت في