صديق الحسيني القنوجي البخاري

132

فتح البيان في مقاصد القرآن

لننصر رسلنا وننصر الذين آمنوا معهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بما عودهم اللّه من الانتقام لهم بالقتل والسلب والأسر ، وقيل بالغلبة والقهر ، وقيل بالحجة ، وقيل بالانتقام لهم من الأعداء بالاستئصال ، وان غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحانا من اللّه عز وجل ، والعاقبة لهم ، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل ، فإنه قتل به سبعين ألفا ، وكما نصر الحسين بن علي الشهيد فإنه قتل به سبعين ألفا أيضا . أخرج أحمد والترمذي وحسنه ، وابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من ردّ . . . عن عرض أخيه رد اللّه عن وجهه نار جهنم يوم القيامة » ، ثم تلا إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا « 1 » وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة مثله . وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ هو يوم القيامة قال زيد بن أسلم الأشهاد هم الملائكة والنبيون والمؤمنون . وقال مجاهد والسدي الأشهاد الملائكة ، يشهدون للأنبياء بالإبلاغ ، وعلى الأمم بالتكذيب . وقيل الحفظة يشهدون على بني آدم بما عملوا من الأعمال ، وكذا الجوارح تشهد عليهم بما فعلوا ، قال الزجاج الأشهاد جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب ، قال النحاس ليس لباب فاعل أن يجمع على أفعال ، ولا يقاس عليه ولكن ما جاء منه مسموعا أدى على ما سمع فهو على هذا جمع شهيد ، مثل شريف وأشراف ، ومعنى نصرهم يوم القيامة أن اللّه يجازيهم بأعمالهم فيدخلهم الجنة ، ويكرمهم بكراماته ، ويجازي الكفار بأعمالهم ، فيلعنهم ويدخلهم النار وهو معنى قوله : يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ قرأ نافع والكوفيون بالتحتية وقرأ الجمهور تنفع بالفوقية ، والكل جائز في اللغة ، وإنما لم تنفعهم المعذرة لأنها معذرة باطلة ، وعلة داحضة . وشبهة زائغة وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي البعد عن الرحمة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أي النار . وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى هذا من جملة ما قصه اللّه سبحانه قريبا من نصره لرسله ، أي آتيناه التوراة والنبوة ، كما في قوله سبحانه : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [ المائدة : 44 ] قال مقاتل : الهدى من الضلالة يعني التوراة وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ أي بعد ما كانوا فيه من الذل الْكِتابَ أي التوراة والمعنى أن اللّه سبحانه لما أنزل التوراة على موسى بقيت بعده فيهم وتوارثوها خلفا عن سلف وقيل المراد بالكتاب سائر الكتب المنزلة على أنبياء بني إسرائيل بعد موت موسى هُدىً وَذِكْرى أي لأجلهما أو هاديا ومذكرا ومرشدا لِأُولِي الْأَلْبابِ أي لأهل العقول السليمة . ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بالصبر على الأذى فقال : فَاصْبِرْ أي اصبر على أذى المشركين كما صبر من قبلك من الرسل ، قال

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 449 ، 450 .