صديق الحسيني القنوجي البخاري

119

فتح البيان في مقاصد القرآن

في موضع الإضمار لذمهم بالكفر والإشعار بعلة الحكم ، أو للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا ، والجملة اعتراض جيء بها في تضاعيف ما حكي عنهم من الأباطيل ، للمسارعة إلى بيان بطلان ما أظهروه ، واضمحلالا بالمرة . وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى أي اتركوني أن أقتله ، والظاهر من حال اللعين أنه قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به حق ، ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك ، وإنما قال ذلك تمويها وإيهاما أنهم هم المانعون له من لقتله ، ولولا هم قتله ، مع أنه ما منعه إلا ما في نفسه من الفزع الهائل . وقوله وَلْيَدْعُ رَبَّهُ تجلد منه ، وإظهار لعدم المبالاة ولكنه أخوف الناس منه ، وفي منعه من قتله وجوه ذكرها الخطيب ، أي ليدع الذي يزعم أنه أرسله إلينا ، فليمنعه من القتل إن قدر على ذلك ، أي لا يهولنكم ذلك فإنه لا رب له حقيقة ، بل أنا ربكم الأعلى ، ثم ذكر العلة التي لأجلها أراد أن يقتله فقال : إِنِّي أَخافُ إن لم أقتله أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ الذي أنتم عليه من عبادة غير اللّه ويدخلكم في دينه الذي هو عبادة اللّه وحده أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ أي يوقع بين الناس الخلاف والفتنة ، جعل اللعين ظهور ما دعا إليه موسى وانتشاره في الأرض واهتداء الناس إليه فساد ، وليس الفساد إلا ما هو عليه هو ومن تابعه ، والمعنى أنه لا بد من وقوع أحد الأمرين أو وقوع الأمرين جميعا . وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ لما هدده فرعون بالقتل لم يأت في دفع شدة اللعين إلا بأن استعاذ باللّه عز وجل من كل متعظم عن الإيمان باللّه ، غير مؤمن بالبعث والنشور ، واعتمد عليه فلا جرم صانه اللّه من كل بلية ويدخل فرعون في هذا العموم دخولا أوليا ، ولم يسم فرعون بل ذكره بوصف يعمه وغيره من الجبابرة لتعميم الاستعاذة ، والإشعار بعلة القساوة والجرأة على اللّه تعالى . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 28 إلى 31 ] وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ( 28 ) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 29 ) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ ( 30 ) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ( 31 ) وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ قال الحسن ومقاتل والسدي :