صديق الحسيني القنوجي البخاري

115

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال : « يجمع اللّه الخلق كلهم يوم القيامة بصعيد واحد بأرض بيضاء ، كأنها سبيكة فضة لم يعص اللّه فيها قط ، فأول ما يتكلم أن ينادي مناد : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ إلى قوله : الْحِسابِ أخرجه عبد بن حميد ، قال : ما يبدأ به من الخصومات الدماء ، وقال ابن عباس ينادي مناد بين يدي الساعة : يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات وينزل اللّه إلى السماء الدنيا فيقول : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ الآية . وأخرج ابن أبي الدنيا في البعث والديلمي عن أبي سعيد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثله ثم أمر اللّه سبحانه رسوله بإنذار عباده فقال : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ أي يوم القيامة ، سميت بذلك لقربها ، يقال : أزف فلان أو الرحيل أي قرب ، يأزف أزفا من باب تعب ، وأزوفا دنا وقرب ، ومنه قوله تعالى : أَزِفَتِ الْآزِفَةُ [ النجم : 57 ] أي قربت الساعة ودنت القيامة ، وقيل : إن يوم الآزفة هو يوم حضور الموت ، والأول أولى . قال الزجاج : وقيل لها آزفة لأنها قريبة ، وإن استبعد الناس أمرها ، وما هو كائن فهو قريب . إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ وذلك أنها تزول عن مواضعها ، وترتفع عن أماكنها من الخوف ، حتى تصير إلى الحنجرة وتلصق بحلوقهم ، فلا تعود فيستريحوا بالنفس ولا تخرج فيستريحوا بالموت كقوله وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [ الأحزاب : 10 ] وهي جمع حنجور كحلقوم وزنا ومعنى ، أو جمع حنجرة وهي الحلقوم و كاظِمِينَ بمعنى مغمومين مكروبين ممتلئين غما ، قال الزجاج : المعنى إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم ، قال قتادة وقعت قلوبهم في الحناجر من المخافة . فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها . وقيل : هو إخبار عن نهاية الجزع ، وإنما قال : كاظمين باعتبار أهل القلوب ، لأن المعنى إذ قلوب الناس لدى حناجرهم ، فيكون حالا منهم وقيل : حالا من القلوب ، وجمع الحال منها جمع العقلاء ، لأنه أسند إليها ما يسند إلى العقلاء ، فجمعت جمعه . ثم بين سبحانه أنه لا ينفع الكافرين في ذلك اليوم أحد فقال : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ أي قريب ومحب ينفعهم وحميمك قريبك الذي تهتم لأمره وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ في شفاعته لهم ، قال الكرخي : حقيقة الإطاعة لا تتأتى هنا لأن المطاع يكون فوق المطيع رتبة ، فمقتضاه أن الشافع يكون فوق المشفوع عنده وهذا محال هنا لأن اللّه تعالى لا شيء فوقه ، فحينئذ هو مجاز ، ومعناه ولا شفيع يشفع ، أي يؤذن له في الشفاعة ، أو تقبل شفاعته . وقال المحلي : لا مفهوم للوصف