صديق الحسيني القنوجي البخاري
111
فتح البيان في مقاصد القرآن
الموت . وقيل : معنى الآية أنهم أميتوا في الدنيا عند انقضاء آجالهم ثم أحياهم اللّه في قبورهم للسؤال ، ثم أميتوا ثم أحياهم اللّه في الآخرة . ووجه هذا القول أن الموت سلب الحياة ، ولا حياة للنطفة ، ووجه القول الأول أن الموت قد يطلق على عادم الحياة من الأصل ، وقد ذهب إلى التفسير الأول جمهور السلف ، وقال ابن زيد : المراد بالآية أنه خلقهم في ظهر آدم واستخرجهم ، وأحياهم ، وأخذ عليهم الميثاق ، ثم أماتهم ، ثم أحياهم في الدنيا ، ثم أماتهم . وقال ابن عباس : قال كنتم ترابا قبل أن يخلقكم ، فهذه ميتة ، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى ، فهما موتتان وحياتان ، كقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [ البقرة : 28 ] الآية . ثم ذكر سبحانه اعترافهم بعد أن صاروا في النار بما كذبوا به في الدنيا فقال حاكيا عنهم : فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا التي أسلفناها في الدنيا ، من تكذيب الرسل ، والاشراك باللّه ، وترك توحيده ، فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف وندموا حيث لا ينفعهم الندم ، والمعنى لما رأوا الإماتة والإحياء قد تكررا عليهم ، علموا أن اللّه قادر على الإعادة كما هو قادر على الإنشاء ، فاعترفوا ، وقد جعلوا اعترافهم هذا مقدمة لقولهم : فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ لنا عن النار ورجوع لنا إلى الدنيا لنطيع ربنا . مِنْ سَبِيلٍ أي من طريق لنتخلص منها أم اليأس واقع دون ذلك ؟ فلا خروج ولا سبيل إليه وهذا كلام من غلب عليه اليأس ، وإنما يقولون ذلك تحيرا ، ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك ، ومثل هذا قولهم الذي حكاه اللّه عنهم هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [ الشورى : 44 ] وقوله : فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً [ السجدة : 12 ] وقوله : يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا [ الأنعام : 27 ] الآية ؟ ثم أجاب اللّه سبحانه عن قولهم هذا بقوله : ذلِكُمْ مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلكم ، أو مبتدأ خبره محذوف ، أي ذلكم العذاب الذي أنتم فيه بِأَنَّهُ أي بسبب أنه إِذا دُعِيَ اللَّهُ في الدنيا وَحْدَهُ دون غيره كَفَرْتُمْ به وتركتم توحيده وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ غيره من الأصنام أو غيرها تُؤْمِنُوا بالاشراك وتصدقوا به ، وتجيبوا الداعي إليه فبين سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار ، وهو ما كانوا فيه من إشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدعاء ، وترك توحيد اللّه . فَالْحُكْمُ لِلَّهِ وحده دون غيره وهو الذين حكم عليكم بالخلود في النار ، وعدم الخروج منها فتعذيبه لكم عدل نافذ الْعَلِيِّ المتعالي سلطانه عن أن يكون له