صديق الحسيني القنوجي البخاري
112
فتح البيان في مقاصد القرآن
مماثل في ذاته وصفاته فلا يرد قضاؤه الْكَبِيرِ الذي كبر عن أن يكون له مثل أو صاحبة أو ولد أو شريك فلا يحد جزاؤه ، وقيل : كأن الحرورية أخذوا قولهم : لا حكم إلا للّه من هذا . وقال قتادة : لما خرج أهل حروراء قال علي : من هؤلاء ؟ قيل : المحكمون أي يقولون : لا حكم إلا للّه ، فقال علي كلمة حق أريد بها الباطل . هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ أي دلائل توحيده ، وعلامات قدرته ، من الريح والسحاب والرعد والبرق ونحوها وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً يعني مطرا فإنه سبب الأرزاق ، جمع سبحانه بين إظهار الآيات ، وإنزال الأرزاق لأن بإظهار الآيات قوام الأديان ، وبالأرزاق قوام الأبدان ، وهذه الآيات هي التكوينية التي جعلها اللّه سبحانه في سماواته وأرضه ، وما فيهما وما بينهما قرأ الجمهور : ينزل بالتشديد ، وقرىء بالتخفيف ، وصيغة المضارعة في الفعلين للدلالة على تجدد الإرادة والتنزيل واستمرارهما . وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ أي ما يتعظ بتلك الآيات الباهرة فيستدل بها على التوحيد وصدق الوعد والوعيد إلا من يرجع إلى طاعة اللّه بما يستفيده من النظر في آيات اللّه ويتوب من الشرك ، ويرجع إليه في جميع أموره ، فإن المعاند لا يتذكر ولا يتعظ ، ثم لما ذكر سبحانه ما نصبه من الأدلة على التوحيد أمر عباده بدعائه وإخلاص الدين له فقال : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي إذا كان الأمر كما ذكر من اختصاص التذكير بمن ينيب فادعوا اللّه وحده مخلصين له العبادة التي أمركم بها وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ذلك فلا تلتفتوا إلى كراهتهم ، ودعوهم يموتوا بغيظهم ، ويهلكوا بحسرتهم . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 15 إلى 18 ] رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 ) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 ) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 17 ) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ( 18 ) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مرفوع على أنه خبر آخر عن المبتدأ المقدم ، أي هو الذي يريكم آياته وهو رفيع الدرجات ، وكذلك ذُو الْعَرْشِ خبر ثالث ويجوز أن يكون رفيع مبتدأ ، وخبره ذو العرش ، ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ محذوف ورفيع صفة مشبهة ، والمعنى الصفات عظيمها أو رفيع درجات ملائكته ، أي معارجهم ، أو رفيع درجات أنبيائه وأوليائه في الجنة ، وقال الكلبي وسعيد بن جبير : رفيع السماوات السبع ، وعلى هذا الوجه يكون رفيع بمعنى رافع ، وقيل : هو المرتفع بعظمته في صفات جلاله وكماله ووحدانيته ، المستغني عن كل ما سواه وكل الخلق فقراء إليه