صديق الحسيني القنوجي البخاري

107

فتح البيان في مقاصد القرآن

الذين يجادلون في القرآن هذه الآية ، وقوله : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [ البقرة : 176 ] . ولما حكم سبحانه على المجادلين في آيات اللّه بالكفر نهى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم عن أن يغتر بشيء من حظوظهم الدنيوية فقال : فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ أي فلا يغررك ما يفعلونه من التجارة النافقة في البلاد ، كالشام واليمن ، وما يحصلونه من المكاسب والأرباح ، وما يجمعونه من الأموال سالمين غانمين ، فإنهم معاقبون عما قليل ، وإن أمهلوا لا يهملون ، قال الزجاج : لا يغررك سلامتهم بعد كفرهم ، فإن عاقبتهم الهلاك وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم ووعيد لهم ، والفاء لترتيب النهي ، أو وجوب الانتهاء على ما قبلها ، من التسجيل عليهم بالكفر ، الذي لا شيء أمقت منه عند اللّه ، ولا أجلب لخسران الدنيا والآخرة قرأ الجمهور : لا يغررك بفك الادغام وقرىء بالادغام ، وهو جواب لشرط مقدر ، أي إذا تقرر عندك أن المجادلين في آيات اللّه كفار فلا يغررك الخ ، ثم بين حال من كان قبلهم ، وأن هؤلاء سلكوا سبيل أولئك في التكذيب فقال : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي قبل أهل مكة قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ أي وكذبت الأحزاب الذين تحزبوا على الرسل من بعد قوم نوح ، كعاد وثمود وغيرهما وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ من تلك الأمم المكذبة بِرَسُولِهِمْ الذي أرسل إليهم لِيَأْخُذُوهُ أي ليتمكنوا منه فيحبسوه ويعذبوه ، ويصيبوا منه ما أرادوا . وقال قتادة والسدي ليقتلوه ، والأخذ قد يرد بمعنى الاهلاك كقوله : ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ [ الحج : 44 ] والعرب تسمي الأسير الأخيذ والأخذ بمعنى الأسر . وَجادَلُوا أي خاصموا رسولهم بِالْباطِلِ من القول لِيُدْحِضُوا أي ليزيلوا بِهِ الْحَقَّ ومنه مكان دحض أي مزلقة ، ومزلة أقدام ، والباطل داحض لأنه يزلق ويزول فلا يستقر ، قال يحيى بن سلام : جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان فَأَخَذْتُهُمْ أي فأخذت هؤلاء المجادلين بالباطل فَكَيْفَ كانَ عِقابِ الذي عاقبتهم به وحذف ياء المتكلم اجتزاء بالكسرة عنها وصلا ووقفا لأنها رأس آية . وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي وجبت وثبتت ولزمت ، يقال : حق الشيء إذا لزم وثبت ، والمعنى وكما حقت على الأمم المكذبة لرسلهم كلمة العذاب حقت كلمة ربك أي وعيده عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا بك ، وجادلوك بالباطل ، وتحزبوا عليك ، وهموا بما لم ينالوا ، كما ينبئ عنه إضافة اسم الرب إلى ضميره صلّى اللّه عليه وسلّم فإن ذلك للإشعار بأن وجوب كلمة العذاب عليهم من إحكام تربيته التي من جملتها نصرته على أعدائه وتعذيبهم ، قاله أبو السعود ، وقرأ الجمهور كلمة بالتوحيد ، وقرىء كلمات بالجمع