صديق الحسيني القنوجي البخاري

100

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً أي ساقتهم الملائكة سوق إعزاز وتشريف وتكريم ، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان ، كما يفعل بمن يكرم من الوافدين على بعض الملوك والمراد بالسوق المتقدم طردهم إلى العذاب بالهوان كما يفعل بالأسير إذا سيق إلى الحبس أو القتل ، فشتان ما بين السوقين . وهذا من بدائع أنواع البديع ، وهو أن يأتي سبحانه وتعالى بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم وعقابهم ، ويأتي بتلك الكلمة بعينها وهيئتها في حق المؤمنين فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم ، فسبحان من أنزله معجز المباني ، متمكن المعاني ، عذب الموارد والمثاني قيل الكلام على حذف مضاف ، أي : سيقت مراكبهم إذ لا يذهب بهم إلا راكبين وقد سبق معنى الزمر أي جماعات أهل الصلاة على حدة ، وأهل الصوم كذلك إلى غير ذلك . حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها جواب إذا محذوف ، قال المبرد : تقديره سعدوا وفتحت ، وقال الزجاج : القول عندي أن الجواب محذوف على تقدير حتى إذا جاؤوها كانت هذه الأشياء التي ذكرت دخلوها فالجواب دخلوها وحذف لأن في الكلام دليلا عليه . وقال الأخفش والكوفيون : الجواب فتحت والواو زائدة وهو خطأ عند البصريين لأن الواو من حروف المعاني فلا تزاد . وقيل إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على اللّه والتقدير حتى إذا جاؤوها وأبوابها مفتحة بدليل قوله : جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ [ ص : 50 ] وحذفت الواو في قصة أهل النار لأنهم وقفوا على النار ، وفتحت بعد وقوفهم إذلالا وترويعا . ذكر معناه النحاس منسوبا إلى بعض أهل العلم قال : ولا أعلم أنه سبقه إليه أحد ، وعلى هذا القول تكون الواو واو الحال بتقدير قد ، أي : جاؤوها وقد فتحت لهم الأبواب . وقيل : إنها واو الثمانية ، وذلك أن من عادة العرب أنهم كانوا يقولون في العدد خمسة ستة سبعة وثمانية ، وقد مضى القول في هذا في سورة براءة مستوفى ، وفي سورة الكهف أيضا . وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة » « 1 » وأخرج الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد أن

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 8 ، والأنبياء باب 1 ، ومسلم في الجنة حديث 14 ، 16 ، والترمذي في القيامة باب 60 ، والجنة باب 5 ، 7 ، وابن ماجة في الزهد باب 39 ، والدارمي في الرقاق باب 102 ، وأحمد في المسند 2 / 230 ، 232 ، 253 ، 257 ، 316 ، 400 ، 473 ، 502 ، 504 ، 507 ، 3 / 16 ، 345 ، 383 .