صديق الحسيني القنوجي البخاري

101

فتح البيان في مقاصد القرآن

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى باب الريان ، لا يدخله إلا الصائمون » « 1 » ، وقد ورد في كون أبواب الجنة ثمانية « 2 » أحاديث في الصحيحين وغيرهما ، وكتابنا ( مثير ساكن الغرام ، إلى روضات دار السّلام ) هو أحسن ما جمع في أحوال الجنة فليرجع إليه وليعول عليه ، ثم أخبر سبحانه أن خزنة الجنة يسلمون على المؤمنين فقال : وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي سلامة لكم من كل آفة ، لا يعتريكم بعده مكروه طِبْتُمْ وطهرتم في الدنيا ، فلم تتدنسوا بالشرك والمعاصي . قال مجاهد طبتم بطاعة اللّه ، وقيل بالعمل الصالح ، والمعنى واحد وقيل طاب لكم المقام وقيل طابت حالكم وحسنت وجعل دخول الجنة مسببا عن الطيب والطهارة لأنها دار الطيبين ، ومثوى الطاهرين ، وقد طهرها اللّه من كل دنس وطيبها من كل قذر ، فلا يدخلها إلا مناسب لها ، موصوف بصفتها . قال مقاتل إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار ، فتقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم ، حتى إذا هذبوا وطيبوا قال لهم رضوان وأصحابه سلام عليكم الآية ، وقد أخرج البخاري حديث القنطرة « 3 » هذا في جامعه من حديث أبي سعيد الخدري وهو طويل جدا فَادْخُلُوها أي الجنة خالِدِينَ أي مقدرين الخلود . وَقالُوا أي فعند ذلك قال أهل الجنة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ بالبعث والثواب بالجنة في قوله : تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا [ مريم : 63 ] وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ أي أرض الجنة قاله قتادة وأبو العالية ، كأنها صارت من غيرهم إليهم ، فملكوها وتصرفوا فيها تصرف الوارث فيما يرثه ، ففي الكلام تجوز . وقيل : إنهم ورثوا الأرض التي كانت لأهل النار لو كانوا مؤمنين ، قاله أكثر المفسرين ، وقيل : إنها أرض الدنيا وفي الكلام تقديم وتأخير . نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ أي نتخذ فيها من المنازل ما نشاء حيث نشاء فلا يختار أحد مكان غيره ، وقيل : يتخير كل واحد من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأين ينزل تكرمة له ، وإن كان لا يختار إلا ما قسم له ، وأما بقية الأمم فيدخلون بعد أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فينزلون فيما فضل عنهم ، وفي الكرخي الجنة نوعان : الجنات الجسمانية ، وهي لا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصوم باب 4 ، وبدء الخلق باب 9 ، وفضائل أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم باب 5 ، ومسلم في الصيام حديث 166 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 46 ، والنسائي في الطهارة باب 108 ، وابن ماجة في الجنائز باب 57 ، والدارمي في المقدمة باب 19 ، وأحمد في المسند 4 / 14 . ( 3 ) أخرج حديث القنطرة البخاري في المظالم باب 1 ، والرقاق باب 48 .