صديق الحسيني القنوجي البخاري
86
فتح البيان في مقاصد القرآن
وأذلهم وأعجزهم . وقال الكوفيون أن إِنْ في إِنْ كُنَّا نافية واللام بمعنى إلا أي ما كنا إلا في ضلال مبين ، والأول أولى ، وهو مذهب البصريين ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الماضية . وَما أَضَلَّنا عن الهدى إِلَّا الْمُجْرِمُونَ يعني من دعاهم إلى عبادة الأصنام من الجن والإنس والشياطين ، وقيل رؤساؤهم الذين أضلوهم . وقيل إبليس وجنوده . وابن آدم الأول وهو قابيل ، وهو أول من سن القتل وأنواع المعاصي . وقيل من سن الشرك وقيل الأولون الذين اقتدينا بهم . فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ يشفعون لنا من العذاب ، كما للمؤمنين من الملائكة والنبيين والمؤمنين وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ أي ذي قرابة ، والحميم القريب الذي تودّه ويودّك ، وجمع الشفعاء ، ووحّد الصديق ، لما تقدم غير مرة أنه يطلق على الواحد ، والاثنين ، والجماعة والمذكر ، والمؤنث أو لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق ، لأن الصديق الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك قليل . وسئل حكيم عن الصديق فقال : اسم لا معنى له . وقيل اسم بلا مسمى ، والنفي ههنا يحتمل نفي الصديق من أصله ، أو نفي صفته فقط ، أو لأن الصديق الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء ، والحميم مأخوذ من حامّة الرجل أي خاصته وأقربائه . ويقال حم الشيء وأحم إذا قرب ومنه الحمى ، لأنه يقرب من الأجل . وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما لأنه يحمى لغضب صاحبه فجعله مأخوذا من الحمية وقيل من الاحتمام بمعنى الاهتمام الذي يهمه ما يهمك قاله الزمخشري . فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً هذا منهم على طريق التمني الدال على كمال التحسر ، كأنهم قالوا فليت لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا وجواب التمني فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي نصير من جملتهم ، حتى تحل لنا الشفاعة كما حلت لهؤلاء . إِنَّ فِي ذلِكَ أي ما تقدم ذكره من نبأ إبراهيم وقصة قومه لَآيَةً أي عبرة وعلامة وحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر ؛ فإنها جاءت على أنظم ترتيب ؛ وأحسن تقرير ، يتفطن المتأمل فيها لغزارة علمه ، لما فيها من الإشارة إلى أصول العلوم الدينية والتنبيه على دلالتها ، وحسن دعوته للقوم ، وحسن مخالفته معهم ، وكمال إشفاقه عليهم ، وتصوير الأمر في نفسه ، وإطلاق الوعد والوعيد على سبيل الحكاية تعريضا بهم ، وإيقاظا لهم ؛ ليكون أدعى إلى الاستماع والقبول ، والتنوين في « آية » يدل على التعظيم والتفخيم . وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي أكثر هؤلاء الذين يتلو عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نبأ