صديق الحسيني القنوجي البخاري

78

فتح البيان في مقاصد القرآن

أزلفنا جمعنا ، ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جمع ، وثمّ ظرف مكان للبعيد ، وقيل : قربنا من النجاة وقرىء ( زلفنا ) ثلاثيا ، وقرىء « أزلقنا » أي أزللنا وأهلكنا ، من قولهم ، أزلقت الفرس إذا ألقت ولدها ويعني بالآخرين فرعون وقومه وقيل ، المراد بهم موسى وأصحابه والأول أولى . قيل ؛ كان جبريل بين بني إسرائيل وبين قوم فرعون . يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم أولكم ، ويقول للقبط رويدا ليلحق آخركم أولكم فكان بنو إسرائيل يقولون ما رأينا أحسن سياسة من هذا الرجل ، وكان القبط يقولون ما رأينا أحسن داع من هذا ! . وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ بمرورهم في البحر بعد أن جعله اللّه طرقا يمشون فيها ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ يعني فرعون وقومه ، أغرقهم اللّه بإطباق البحر عليهم ، بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه ، وخرج بنو إسرائيل منه ، وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث ، فإنهم اجتمعوا في الهلاك مع اختلاف طوالعهم . إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما صدر بين موسى وفرعون إلى هذه الغاية لَآيَةً عبرة عظيمة وقدرة باهرة من أدل العلامات على قدرة اللّه سبحانه وعظيم سلطانه لمن بعدهم . وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ أي أكثر هؤلاء الذين مع فرعون مُؤْمِنِينَ باللّه فإنه لم يؤمن منهم فيما بعد إلا القليل كحزقيل وابنته ، وآسية امرأة فرعون ، والعجوز التي دلت على قبر يوسف وليس المراد أكثر من كان مع فرعون عند لحاقه بموسى ، فإنهم هلكوا جميعا في البحر ، بل المراد من كان معه من الأصل ، ومن كان متابعا له ، ومنتسبا إليه ، هذا غاية ما يمكن أن يقال . وقال سيبويه وغيره : إنّ ( كان ) زائدة ، وأنّ المراد الإخبار عن المشركين بعد ما سمعوا الموعظة . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ أي المنتقم من أعدائه بإغراقهم الرَّحِيمُ بأوليائه بإنجائهم . وَاتْلُ أي : أقصص يا محمد عَلَيْهِمْ أي على كفار مكة نَبَأَ خبر إِبْراهِيمَ وحديثه إِذْ قالَ أي وقت قوله لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما أي أيّ شيء تَعْبُدُونَ وهو يعلم أنهم يعبدون الأصنام ، ولكنه أراد إلزام الحجة وليريهم أن ما يعبدونه ليس بمستحق للعبادة ، بل بمعزل عنها بالكلية . قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً افتخارا ومباهاة بعبادتها فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ أي فنقيم وندوم على عبادتها ، مستمرين طوال النهار ، لا في وقت معين . يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا ، وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا ، فظاهره أنهم يستمرون على عبادتهم نهارا لا ليلا والمراد من العكوف لها الإقامة على عبادتها وإنما قال لَها لإفادة أن ذلك العكوف لأجلها .