صديق الحسيني القنوجي البخاري

79

فتح البيان في مقاصد القرآن

فلما قالوا هذه المقالة قالَ إبراهيم منبها على فساد مذهبهم هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ قال الأخفش المعنى هل يسمعون منكم ؟ أو هل يسمعون دعاءكم ؟ وقرأ قتادة هل يسمعونكم ؟ بضم الياء أي هل يسمعونكم أصواتهم وقت دعائكم لهم ؟ قال الزمخشري إنه على حكاية الحال الماضية ، ومعناه استحضروا الأحوال التي كنتم تدعونها فيها ، هل سمعوكم إذا دعوتم ؟ وهو أبلغ في التبكيت . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 73 إلى 80 ] أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 74 ) قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ بوجه من وجوه النفع إن عبدتموها أَوْ يَضُرُّونَ أي يضرونكم إذا تركتم عبادتها ؟ وهذا الاستفهام للتقرير ، فإنها إذا كانت لا تسمع ولا تنفع ولا تضر ، فلا وجه لعبادتها ، فإذا قالوا نعم هي كذلك أقروا بأن عبادتهم لها من باب اللعب والعبث والسفه ، وعند ذلك تقوم الحجة عليهم ، فلما أورد عليهم الخليل هذه الحجة الباهرة ، لم يجدوا لها جوابا إلا رجوعهم إلى التقليد البحت وهو أنهم . قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ هذه العبادة لهذه الأصنام ، فقلدناهم مع كونها بهذه الصفة التي هي سلب السمع والنفع والضر عنها ، وفي أبي السعود هذا الجواب منهم اعتراف بإنها بمعزل عما ذكر من السمع والمنفعة والمضرة بالمرة ، واضطروا إلى إظهار أن لا مستند لهم سوى التقليد أي ما علمنا ولا رأينا منهم ما ذكر من الأمور ، بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ، فاقتدينا بهم . انتهى . قال الخازن : وفي الآية دليل على إبطال التقليد في الدين وذّمه ، ومدح الأخذ بالاستدلال انتهى . وهذا الجواب هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز ويمشي بها كل أعرج ، ويغتر بها كل مغرور ، وينخدع لها كل مخدوع ؛ فإنك لو سألت الآن هذه المقلدة للرجال التي طبقت الأرض بطولها والعرض ؛ وقلت لهم : ما الحجة لكم على تقليد فرد من أفراد العلماء ؟ والأخذ بكل ما يقوله في الدين ويبتدعه من الرأي المخالف للدليل ؟ لم يجدوا غير هذا الجواب ولا فاهوا بسواه ، وأخذوا يعدون عليك من سبقهم إلى تقليد هذا من سلفهم ، واقتدى بقوله وفعله ، وهم قد ملأوا صدورهم هيبة ، وضاقت آذانهم عن تصورهم وظنوا أنهم خير أهل الأرض ، وأعلمهم وأورعهم فلم يسمعوا لناصح نصحا ولا لداع إلى الحق دعاء ، ولو فظنوا لرأوا أنفسهم في غرور عظيم ، وجهل شنيع وأنهم كالبهيمة العمياء وأولئك الأسلاف كالعمي الذين يقودون البهائم العمي كما قال الشاعر : كبهيمة عمياء قاد زمامها * أعمى على عوج الطريق الحائر