صديق الحسيني القنوجي البخاري

65

فتح البيان في مقاصد القرآن

بطاعته . وقيل : المعنى قل لهم : ألا تتقون . وجاء بالتحتية لأنهم غيب وقت الخطاب . وقرىء بالفوقية أي قل لهم ذلك ومثله قل للذين كفروا ستغلبون بالتحتية والفوقية أو ائتهم زاجرا فقد آن لهم أن يتقوا ، وهي كلمة حث واغراء . وقيل : يظلمون غير متقين اللّه وعقابه ، وعلى هذا حال من الضمير في الظالمين . قالَ موسى ، واعتذر بثلاثة أعذار كل منها مرتب على ما قبله ، وليس مراده الامتناع من الرسالة ، بل اظهار العجز عن هذا الأمر الثقيل ، وطلب المعونة عليه من اللّه . رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ في الرسالة ، والخوف غم يلحق الإنسان لأمر سيقع . وَيَضِيقُ صَدْرِي بتكذيبهم إياي . وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي أي بتأدية الرسالة لعقدة كانت على لسانه ، قرىء يضيق وينطلق ، بالرفع على العطف ، أو على الاستئناف وبنصبهما . قال الفراء : كلتا القراءتين لها وجه . قال النحاس : الوجه الرفع ، لأن النصف عطف على يُكَذِّبُونِ وهذا بعيد . فَأَرْسِلْ جبريل بالوحي إِلى أخي هارُونَ ليكون معي رسولا موازرا مظاهرا معاونا ، ولم يذكر الموازرة هنا لأنها معلومة من غير هذا الموضع ، كقوله في طه : وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي [ طه : 29 ] . وفي القصص : فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [ القصص : 34 ] . وكان هارون بمصر حين بعث موسى نبيا بالشام ، وهذا من موسى عليه السلام من باب طلب المعاونة له ، والتماس العون في تبليغ الرسالة بإرسال أخيه ، لا من باب الاستعفاء من الرسالة ، ولا من التوقف عن المسارعة بالامتثال ، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل لا على التقلل . وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ هو قتله للقبطي ، قال قتادة : وسماه ذنبا بحسب زعمهم ، أو كما سمى جزاء السيئة سيئة . فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ به قصاصا فيفوت المقصود من الرسالة : فهذا هو الخائف عليه ، وليس هذا تعللا أيضا ، بل استدفاع للبلية المتوقعة ، وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء ، ثم أجابه سبحانه بما يشتمل على نوع من الردع . وطرف من الزجر . قالَ كَلَّا أي لا يقتلونك كأنه قيل . ارتدع عما تظن فَاذْهَبا أي أنت وأخوك بِآياتِنا وفي ضمن هذا الجواب إجابة موسى إلى ما طلبه من ضم أخيه إليه كما يدل عليه توجيه الخطاب إليهما ، وفيه تغليب الحاضر على الغائب ، لأنه إذ ذاك كان بمصر . والإرسال والخطاب كان في الطور . إِنَّا مَعَكُمْ وفي هذا تعليل للردع عن الخوف ، وهو كقوله سبحانه : إِنَّنِي