صديق الحسيني القنوجي البخاري

66

فتح البيان في مقاصد القرآن

مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [ طه : 46 ] ، وأراد بذلك سبحانه تقوية قلوبهما ، وأنه متول لحفظهما وكلاءتهما ، وأجراهما مجرى الجمع فقال : ( معكم ) لكون الاثنين أقل الجمع على ما يذهب إليه بعض الأئمة أو لكونه أراد موسى وهارون ومن ارسلا إليه . ويجوز أن يكون المراد هما مع بني إسرائيل ، أو تعظيما لهما ، ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام ، فالمراد معية النصرة والمعونة . مُسْتَمِعُونَ أي : سامعون ما تقولون وما يقال لكم ، والاستماع في غير هذا ، الاصغاء للسماع يقال : استمع فلان حديثه أي : أصغي إليه ، ولا يجوز حمله ههنا على ذلك ، فحمل على السماع ، قال النسفي . فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها . قال القرطبي : فانطلقا إلى فرعون فلم يأذن لهما سنة في الدخول عليه ، ووحّد الرسول هنا ، ولم يثنه كما في قوله : إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [ طه : 47 ] ، لأنه مصدر بمعنى رسالة والمصدر يوحد ، وأما إذا كان بمعنى المرسل فإنه يثنى مع المثنى ويجمع مع الجمع ، قال أبو عبيدة رسول بمعنى رسالة ، والتقدير على هذا إنا ذوو رسالة . وقال أبو عبيدة أيضا يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع ، تقول العرب هذا رسولي ووكيلي ، وهذان رسولي ووكيلي ، وهؤلاء رسولي ووكيلي ، ومنه قوله تعالى : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي . وقيل : إن معناه أن كل واحد منا رسول . وقيل : إنهما لما كانا متعاضدين متساعدين في الرسالة كانا بمنزلة رسول واحد ، وإن في قوله : أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول ، أي : خلهم ، وأطلقهم معنا إلى أرض فلسطين ، ولا تستعبدهم ، وكان قد استعبدهم أربعمائة سنة . قالَ فرعون لموسى بعد أن أتياه وقالا له ما أمرهما اللّه به : أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا أي في حجرنا ومنازلنا أراد بذلك المنّ عليه والاحتقار له أي : ربيناك لدينا وَلِيداً أي : صغيرا قريبا من الولادة بعد فطامك ، ولم نقتلك فيمن قتلنا من الأطفال . وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ فمتى كان هذا الذي تدعيه ؟ قيل : لبث فيهم ثماني عشرة سنة ، وقيل : ثلاثين سنة ، وقيل : أربعين سنة ، ثم وبخه بقتل القبطي فقال : وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ الفعلة بفتح الفاء المرة من الفعل ، كما قيل الفعلة للمرة ، والفعلة للحالة ، وقرأ الشعبي بكسر الفاء . والفتح أولى ، لأنها للمرة الواحدة لا للنوع ، والمعنى إنه عدد عليه النعم ، وذكر له ذنوبه ، وأراد بالفعلية قتل القبطي ثم قال : وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ للنعمة حيث قتلت رجلا من أصحابي ، وقيل : من الكافرين بأن فرعون إله ، وقيل من الكافرين باللّه في زعمه لأنه كان معهم على دينهم .