صديق الحسيني القنوجي البخاري
607
فتح البيان في مقاصد القرآن
اللّه : وغزواته صلّى اللّه عليه وسلم سبع وعشرون غزوة ، قاتل في ثمان منها بنفسه : بدر وأحد والمصطلق والخندق وقريظة ؛ وخيبر ، وحنين ، والطائف ا ه . وَأَبْصِرْهُمْ إذا نزل بهم العذاب بالقتل والأسر ؛ وما هيأنا لهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ذلك عن قريب حين لا ينفعهم الإبصار ؛ وسوف هنا للوعيد لا للتبعيد ؛ إذ ليس المقام مقامه ، كما تقول : سوف أنتقم منك ؛ وأنت متهيىء للانتقام ؛ قاله الكرخي ولذا عبر بالإبصار عن قرب الأمر كأنه حاضر قدامه . مشاهد له . خصوصا إذا قيل : إن الأمر للفور ، وقيل : يبصرون العذاب يوم القيامة ؛ ثم هددهم سبحانه بقوله : أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ كانوا يقولون من فرط تكذيبهم متى هذا العذاب ؟ . فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ إذا نزل عذاب اللّه لهم بفنائهم والساحة في اللغة فناء الدار الواسع الخالي من الأبنية وجمعها سوح ، قال الفراء : نزل بهم ، نزل بساحتهم سواء ؛ قال الزجاج : وكان عذاب هؤلاء بالقتل ، قيل : المراد به نزول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بساحتهم يوم فتح مكة شبه العذاب بجيش هجم عليهم ؛ فأناخ بفنائهم بغتة وهم في ديارهم . ففي الضمير المستتر في نزل استعارة بالكناية والنزول تخييل . قرأ الجمهور : نَزَلَ مبنيا للفاعل . وقرىء : مبنيا للمفعول والجار والمجرور قائم مقام الفاعل . فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب ، والمخصوص بالذم محذوف ، أي صباحهم وخص الصباح بالذكر لأن العذاب كان يأتيهم فيه وإن وقع في وقت آخر ، وفي التعبير بالمنذرين إقامة الظاهر مقام المضمر واللام للجنس لا للعهد فإن افعال الذم والمدح تقتضي الشيوع للإبهام والتفصيل فلا يجوز أن تقول : بئس الرجل هذا ونعم الرجل هذا إذا أردت رجلا بعينه . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال : « صبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خيبر وقد خرجوا بالمساحي فلما نظروا إليه قالوا : محمد والخميس ، فقال : اللّه أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » « 1 » الحديث . ثم كرر سبحانه ما سبق تأكيدا للوعد بالعذاب وتسلية على تسلية : فقال : وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حذف مفعول أبصر هنا وذكره أولا إما لدلالة الأول عليه . فتركه هنا اختصارا أو قصدا إلى التعميم للإيذان بأن ما
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة باب 12 ، والأذان باب 6 ، وصلاة الخوف باب 6 ، والجهاد باب 130 ، والمناقب باب 28 ، والمغازي باب 38 ، ومسلم في الجهاد حديث 120 ، 121 ، والترمذي في السير باب 3 ، والنسائي في المواقيت باب 26 ، والنكاح باب 79 ، والصيد باب 78 ، ومالك في الجهاد حديث 48 ، وأحمد في المسند 3 / 102 ، 111 ، 164 ، 186 ، 206 ، 246 ، 263 .