صديق الحسيني القنوجي البخاري

608

فتح البيان في مقاصد القرآن

يبصره من أنواع عذابهم لا يحيط به الوصف ، وقيل : هذه الجملة المراد بها أحوال القيامة والجملة الأولى : المراد بها عذابهم في الدنيا وعلى هذا فلا يكون من باب التأكيد ، بل من باب التأسيس ، ثم نزه سبحانه نفسه عن قبيح ما يصدر منهم فقال : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ العزة الغلبة والقوة والمراد تنزيهه عن كل ما يصفونه ، مما لا يليق بجنابه الشريف ورب العزة بدل من ربك ، وأضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل : ذي العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه به ، وقيل : المراد العزة المخلوقة الكائنة بين خلقه ويترتب على القولين مسألة اليمين ، فعلى الأول ينعقد بها اليمين لأنها صفة من صفاته بخلاف الثاني ، فإنه لا ينعقد بها اليمين قاله السمين ، ثم ذكر ما يدل على تشريف رسله وتكريمهم فقال . وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ أي الذين أرسلهم إلى عباده ، وبلغوا رسالاته وهو من السلام الذي هو التحية ، وقيل معناه : أمن لهم وسلامة من المكاره . أخرج ابن سعد وابن مردويه عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا سلمتم على المرسلين فسلموا عليّ فإنما أنا بشر من المرسلين » . وعن أنس مرفوعا نحوه بأطول منه عند ابن مردويه وعمم الرسل بالسلام بعدما خص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إرشاد لعباده إلى حمده على إرسال رسله إليهم مبشرين ومنذرين ، وتعليم لهم كيف يصنعون عند إنعامه عليهم وما يثنون به عليه ، وقيل : إنه الحمد على هلاك المشركين ، ونصر الرسل عليهم ، والأولى : أنه حمد للّه سبحانه على كل ما أنعم به على خلقه أجمعين ، كما يفيده حذف المحمود عليه ، فإن حذفه مشعر بالتعميم كما تقرر في علم المعاني ، والحمد هو الثناء الجميل لقصد التعظيم . عن أبي سعيد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن يسلم من صلاته قال : « سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن مردويه . وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال : كنا نعرف انصراف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الصلاة بقوله : سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخرها . وأخرج الخطيب نحوه من حديث أبي سعيد ، وأخرج الطبراني عن زيد ابن أرقم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من قال : دبر كل صلاة سبحان ربك الآيات ثلاثة مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر » ، وأخرج حميد بن زنجويه في ترغيبه عن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه نحوه . وعن علي رضي اللّه تعالى عنه : « من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من