صديق الحسيني القنوجي البخاري
602
فتح البيان في مقاصد القرآن
الإنكاري وقد حذف معها همزة الوصل استغناء بها عنها ، وقرىء بهمزة وصل تثبت ابتداء وتسقط درجا ، ويكون الاستفهام منوبا قاله الفراء وحذف حرفه للعلم به من المقام ، أو على أن اصطفى وما بعده بدل من الجملة المحكية بالقول ، وعلى تقدير عدم الاستفهام والبدل فقد حكى جماعة من المحققين منهم الفراء أن التوبيخ يكون باستفهام وبغير استفهام كما في قوله : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [ الأحقاف : 20 ] وقيل : هو على إضمار القول والاصطفاء أخذ صفوة الشيء . ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ جملتان استفهاميتان ليس لإحداهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب استفهمهم أولا عما استقر لهم ، وثبت استفهام إنكار ، وثانيا استفهام تعجب من هذا الحكم الذي حكموا به ، والمعنى أي شيء ثبت لكم كيف تحكمون للّه بالبنات ؟ وهو القسم الذي تكرهونه ولكم بالبنين وهو القسم الذي تحبونه أَ فَلا تَذَكَّرُونَ أي تتذكرون والمعنى ألا تعتبرون وتتفكرون فتتذكرون بطلان قولكم . أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ أي حجة واضحة ظاهرة على هذا الذي تقولونه ضرورة أن الحكم بذلك لا بد له من مسند حسي أو عقلي ، وحيث انتفى كلاهما فلا بد من مستند نقلي ، وهو إضراب عن توبيخ إلى توبيخ ، وانتقال من تقريع إلى تقريع فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ أي فأتوا بحجتكم الواضحة على هذا أو فأتوا بالكتاب الذي ينطق لكم بالحجة ويشتمل عليها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تقولونه . وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً التفات للغيبة للإيذان بانقاطعهم عن درجة الخطاب ، واقتضاء حالهم أن يعرض عنهم ، وتحكى جناياتهم للآخرين قال أكثر المفسرين : إن المراد بالجنة هنا الملائكة ، قيل لهم : جنة لأنهم لا يرون ، وقال مجاهد : هم بطن من بطون الملائكة يقال لهم : الجنة ، وقال أبو مالك : إنما قيل لهم الجنة لأنهم خزان على الجنان ، والنسب الصهر قال قتادة والكلبي : قالوا لعنهم اللّه إن اللّه صاهر الجن . فكانت الملائكة من أولادهم قالا : والقائل بهذه المقالة اليهود ، وقال مجاهد والسدي ومقاتل : إن القائل بذلك كنانة وخزاعة ، قالوا : إن اللّه خطب إلى سادات الجن فزوجوه من سروات بناتهم فالملائكة بنات اللّه من سروات بنات الجن ، وقال الحسن : أشركوا الشيطان في عبادة اللّه فهو النسب الذي جعلوه . وقال ابن عباس : زعم أعداء اللّه أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان ، ثم رد اللّه سبحانه عليهم بقوله : وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي علموا أن هؤلاء الكفار الذين قالوا هذا القول يحضرون النار . ويعذبون فيها لكذبهم في قولهم ذلك ، والمراد به المبالغة في التكذيب ببيان أن الذين ادعى هؤلاء لهم تلك النسبة ، ويعلمون أنهم أعلم منهم بحقيقة الحال يكذبونهم في ذلك ، ويحكمون بأنهم معذبون لأجله حكما مؤبدا وقيل :