صديق الحسيني القنوجي البخاري
603
فتح البيان في مقاصد القرآن
علمت الجنة أنهم أنفسهم يحضرون للحساب والأول أولى لأن الإحضار إذا أطلق فالمراد به العذاب ، وقيل : المعنى ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون إلى الجنة ، ثم نزه سبحانه وتعالى نفسه الكريمة فقال : سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ أو هو حكاية لتنزيه الملك للّه عز وجل عما وصفه به المشركون ذكره العمادي ، وأشار له أبو السعود . والاستثناء في قوله إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ منقطع ، والتقدير : لكن عباد اللّه المخلصين بريئون عن أن يصفوا اللّه بشيء من ذلك ، وقد قرىء : بفتح اللام وكسرها ومعناهما ما بيناه قريبا ، وقيل هو استثناء من المحضرين أي إنهم يحضرون النار إلا من أخلص فيكون متصلا لا منقطعا ، قاله أبو البقاء . وعلى هذا تكون جملة التسبيح معترضة ، ثم خاطب الكفار على العموم أو كفار مكة على الخصوص فقال : فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ أي فإنكم وآلهتكم التي تعبدون من دون اللّه لستم بفاتنين على اللّه بإفساد عباده ، وإضلالهم ، وعلى متعلقة بفاتنين والواو في وما تعبدون إما للعطف على اسم إن أو هو بمعنى مع وما موصولة أو مصدرية أي فإنكم والذي تعبدون أو وعبادتكم ومعنى فاتنين مضلين ، يقال : فتنت الرجل وأفتنته ويقال فتنه على الشيء وبالشيء كما يقال : أضله على الشيء ، وأضله به ، قال الفراء : أهل الحجاز يقولون فتنته ، وأهل نجد يقولون : أفتنته ، ويقال : فتن فلان على فلان امرأته ، أي أفسدها عليه ، فالفتنة هنا بمعنى الإضلال والإفساد ، قال مقاتل : يقول ما أنتم بمضلين أحدا بآلهتكم إلا من قدر اللّه له أن يصلى الجحيم . و ما في ما أَنْتُمْ نافية . و أَنْتُمْ خطاب لهم ولمن يعبدونه على التغليب ، قال الزجاج : أهل التفسير مجمعون فيما علمت أن المعنى ما أنتم بمضلين أحدا إلا من قدر اللّه عز وجل عليه أن يضل ، والجملة تعليل وتحقيق لبراءة الملخصين ببيان عجزهم عن إغوائهم وإضلالهم ، والالتفات إلى الخطاب لإظهار كمال الاعتناء بتحقيق مضمون الكلام . إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلا من سبق له في علم اللّه الشقاوة وأنه سيدخل النار ، والاستثناء مفرغ قاله السمين . وهذا من حيث اللفظ ، وأما من حيث المعنى فهو استثناء من المفعول المقدر ، وقال ابن عباس : في الآية إنكم يا معشر المشركين وما تعبدون يعني الآلهة ما أنتم عليه بمضلين إلا من سبق في علمه أنه سيصلى الجحيم ، وعنه قال : يقول إنكم لا تضلون أنتم ولا أضل منكم إلا من قضيت عليه أنه صال الجحيم وعنه قال : لا تفتنون إلا من هو صال الجحيم ، قرأ الجمهور : صالِ بكسر اللام لأنه منقوص مضاف حذفت الياء لالتقاء الساكنين وحمل على لفظ من فأفرد كما أفرد هو . وقرأ الحسن وابن أبي عبلة : بضم اللام مع واو بعدها ، وروي عنهما أنهما قرآ :