صديق الحسيني القنوجي البخاري
586
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ أي المقهورين المغلوبين بإبطال كيدهم وجعله برهانا نيرا على علو شأنه ، لأنها قامت له بذلك عليهم الحجة التي لا يقدرون على دفعها ولا يمكنهم جحدها ، فإن النار الشديدة الاتقاد ، العظيمة الاضطرام ، المتراكمة الجمار ، إذا صارت بعد إلقائه فيها بردا وسلاما ولم تؤثر فيه أقل تأثير كان ذلك من الحجة بمكان يفهمه كل من له عقل . وصار المنكر له سافلا ساقط الحجة ، ظاهر التعصب ، واضح التعسف ، وسبحان من يجعل المحن لمن يدعو إلى دينه منحا ، ويسوق إليهم الخير بما هو من صور الضير . وَ لما انقضت هذه الواقعة وأسفر الصبح لذي عينين ، وظهرت حجة اللّه لإبراهيم ، وقامت براهين نبوته وسطعت أنوار معجزته . قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي أي مهاجر من مولدي وبلد قومي الذين فعلوا ما فعلوا تعصبا للأصنام وكفرا باللّه وتكذيبا لرسله إلى حيث أمرني بالمهاجرة إليه أو إلى حيث أتمكن من عبادته ، وهذه الآية أصل في الهجرة والعزلة وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام وذلك حين خلصه اللّه من النار . سَيَهْدِينِ فيما نويت إلى المكان الذي أمرني بالذهاب إليه أو إلى مقصدي ، وقيل : ذاهب بعملي وعبادتي وقلبي ونيتي ، فعلى هذا ذهابه بالعمل لا بالبدن والأول أظهر ، قيل : إن اللّه سبحانه أمره بالمصير إلى الشام وقد سبق بيان هذا في سورة الكهف مستوفى قال ابن عباس : قال هذا حين هاجر قال مقاتل فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد فقال : رَبِّ هَبْ لِي ولدا صالحا مِنَ الصَّالِحِينَ يعينني على طاعتك ويؤنسني في الغربة . هكذا قال المفسرون ، وعللوا ذلك بأن الهبة قد غلب معناها في الولد ، فتحمل عند الإطلاق عليه ، وإذا وردت مقيدة حملت على ما قيدت به ، كما في قوله : وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [ مريم : 53 ] وعلى فرض أنها لم تغلب في طلب الولد فقوله : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 101 إلى 102 ] فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ( 101 ) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ يدل على أنه ما أراد بقوله : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ إلا الولد ، والمعنى : بشرناه به على لسان الملائكة الذين جاؤوا له في صورة الأضياف ، ثم انتقلوا من قريته إلى قرية لوط كما تقدم في هود ، ويأتي في الذاريات ، ومعنى حليم أن يكون حليما عند كبره فكأنه بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر ويصير حليما لأن الصغير لا يوصف بالحلم ، قال الزجاج : هذه البشارة تدل على أن مبشر بابن ذكر وأنه يبقى حتى ينتهي في السن ويوصف بالحلم .