صديق الحسيني القنوجي البخاري
587
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ في الكلام حذف كما تشعر به هذه الفاء الفصيحة النقد فوهبنا له الغلام فنشأ حتى صار إلى السن التي يسعى فيها مع أبيه في أمور دنياه معينا له على أعماله . قال مجاهد : أي لما شب وأدرك سعيه سعي إبراهيم ، قال ابن عباس : شب حتى بلغ سعيه سعي أبيه في العمل ، وقال مقاتل : لما مشى معه ، قال الفراء : كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة ، وقال الحسن : هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة ، وقال ابن زيد : هو السعي في العبادة ، وقيل : هو الاحتلام . قالَ إبراهيم لابنه لما بلغ ذلك المبلغ : يا بُنَيَّ بفتح الياء وكسرها سبعيتان إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ أي أفعل الذبح ، أو أؤمر به فهما احتمالان ويشير للثاني قوله : افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ، ويشير للأول : قد صدقت الرؤيا ، والمعنى إني رأيت في المنام هذه الرؤيا . قال مقاتل : رأى إبراهيم ذلك ثلاث ليال متتابعات ، قال قتادة : رؤيا الأنبياء حق إذا رأوا شيئا فعلوه وقد اختلف أهل العلم في الذبيح هل هو إسحاق أو إسماعيل عليهما السلام ، قال القرطبي : فقال أكثرهم : الذبيح إسحاق وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب ، وابنه عبد اللّه وهو الصحيح عن ابن مسعود ورواه أيضا عن جابر وعلي وابن عمر وعمر بن الخطاب قال : فهؤلاء سبعة من الصحابة . قال : ومن التابعين وغيرهم علقمة والشعبي ومجاهد وسعيد بن جبير وكعب الأحبار ، وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي برزة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمن بن سابط والزهري والسدي وعبد اللّه بن أبي الهذيل ومالك بن أنس كلهم قالوا : الذبيح إسحاق ، وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى ، واختاره غير واحد منهم النحاس وابن جرير الطبري وغيرهما . قال : وقال آخرون هو إسماعيل وممن قال بذلك أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن وائلة ، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس أيضا كما سيجيء ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وعلقمة . وعن الأصمعي قال : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال : يا أصمعي أين عزب عنك عقلك ومتى كان إسحاق بمكة ، وإنما كان إسماعيل بمكة ، قال ابن كثير في تفسيره : وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى يقال : عن بعض الصحابة وليس في ذلك كتاب ولا سنة ، وأما أظن ذلك تلقى إلا عن أخبار أهل الكتاب ، وأخذ مسلما من غير حجة ، وكتاب اللّه شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم ، وذكر أنه الذبيح ، وقال بعد ذلك وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [ الصافات : 112 ] انتهى .