صديق الحسيني القنوجي البخاري

585

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال الضحاك يسعون ، وقال يحيى بن سلام : يرعدون غضبا ، وقال مجاهد : يختالون أي يمشون مشي الخيلاء ، وقيل : يتسللون تسللا بين المشي والعدو والأولى تفسيره بيسرعون ، وقال ابن عباس : يزفون يخرجون وقرىء : يزفون على البناء للمفعول ؛ وقرىء : على زنة يرمون ، وحكى الثعلبي عن الحسن ومجاهد وابن السميفع أنهم قرأوا يرفون بالراء المهملة وهي ركض بين المشي والعدو ولما أنكروا على إبراهيم ما فعله بالأصنام ذكر لهم الدليل الدال على فساد عبادتها و قالَ مبكتا لهم ومنكرا عليهم : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ أي أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها ، والنحت النجر والبري ؛ نحته ينحته بالكسر نحتا أي براه والنحاتة البراية ، ووجه التوبيخ ظاهر وهو أن الخشب والحجر قبل النحت والإصلاح ما كان معبودا البتة فإذا نحته وشكله على الوجه المخصوص لم يحدث فيه إلا آثار تصرفه عن هيئته ، فلو صار معبودا لهم عند ذلك لزم أن الشيء الذي لم يكن معبودا إذا حصل فيه آثار صار معبودا وفساده واضح . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 96 إلى 100 ] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ( 97 ) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ ( 98 ) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 99 ) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ( 100 ) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ أي وخلق الذي تصنعونه على العموم ويدخل فيها الأصنام التي تنحتونها دخولا أوليا ويكون معنى العمل هنا التصوير والنحت ونحوهما نحو عمل الصائغ السوار ، أي صاغه ويرجحه ما قبله ، أي أتعبدون الذي تنحتون ، أو خلقكم وخلق عملكم ، وجعلها الأشعرية دليلا على خلق أفعال العباد للّه تعالى وهو الحق ، فإن فعلهم كان بخلق اللّه فيهم فكان مفعولهم المتوقف على فعلهم أولى بذلك ، ويرجح على الأول بعدم الحذف ، ويجوز أن تكون ( ما ) استفهامية أي أيّ شيء تعملون ، ومعنى الاستفهام التوبيخ والتقريع ، ويجوز أن تكون نافية ، أي أن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم لا تعملون شيئا وقد طول صاحب الكشاف الكلام في رد قول من قال إنها مصدرية ، ولكن بما لا طائل تحته ، وجعلها موصولة أولى بالمقام وأوفق بسياق الكلام ، والجملة إما حالية أو مستأنفة . قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ مستأنفة جواب سؤال مقدر كالجملة التي قبلها ، قالوا هذه المقالة لما عجزوا عن جواب ما أورده عليهم من الحجة الواضحة فتشاوروا فيما بينهم أن يبنوا له حائطا من حجارة ويملأوه حطبا ويضرموه ، ثم يلقوه فيه ، والجحيم النار الشديد الاتقاد . قال الزجاج : وكل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم ، والألف واللام في جحيم عوض عن المضاف إليه أي في جحيم ذلك البنيان ، ثم لما ألقوه فيها نجاه اللّه منها وجعلها عليه بردا وسلاما وهو معنى قوله : فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً مكرا وحيلة أي احتالوا لإهلاكه .