صديق الحسيني القنوجي البخاري
584
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال ابن عباس : سقيم أي مريض ، وقال أيضا : مطعمون ولهذا قال : فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أي تركوه وذهبوا مخافة العدوي . فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ يقال : راغ يروغ روغا وروغانا إذا مال ، ومنه طريق رائغ أي مائل ، وقال السدي : ذهب إليهم ، وقال أبو مالك : جاء إليهم ، وقال الكلبي : أقبل عليهم ، والمعنى متقارب . وكانت اثنين وسبعين صنما من حجر وخشب وذهب وفضة ونحاس وحديد ورصاص ، وكان كبيرها من ذهب مكللا بالجواهر فَقالَ إبراهيم للأصنام التي راغ إليها استهزاء وسخرية أَ لا تَأْكُلُونَ من الطعام الذي كانوا يصنعونه لها وخاطبها كما يخاطب من يعقل لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة وكذا قوله : ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فإنه خاطبهم خطاب من يعقل والاستفهام للتهكم بهم ، لأنه قد علم أنها جمادات لا تنطق ، قيل : إنهم تركوا عند أصنامهم طعامهم للتبرك بها وليأكلوه إذا رجعوا من عيدهم ، وقيل : تركوه للسدنة ، وقيل : إن إبراهيم هو الذي قرب إليها الطعام مستهزئا بها . فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ أي فمال عليهم ضربهم ضربا ، مصدر مؤكد لفعل محذوف ، أو هو مصدر لراغ لأنه بمعنى ضرب ، قال الواحدي : قال المفسرون يعني بيده اليمنى يضربهم بها : وقال السدي : بالقوة والقدرة لأن اليمين أقوى اليدين ، قال الفراء وثعلب : ضربا بالقوة واليمين القوة ، وقال الضحاك والربيع بن أنس : المراد باليمين التي حلفها حين قال : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [ الأنبياء : 57 ] وقيل : المراد باليمين هنا العدل كما في قوله : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [ الحاقة : 44 ، 45 ] أي بالعدل ، واليمين كناية عن العدل كما أن الشمال كناية عن الجور وأولى هذه الأقوال أولاها . فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ أي أقبل إليه عبدة تلك الأصنام يسرعون لما علموا بما صنعه بها فقالوا نحن نعبدها وأنت تكسرها ، ويزفون في محل نصب على الحال حال من فاعل أقبلوا ، قرأ الجمهور بفتح الياء من زف الظليم يزف إذا عدا بسرعة ، وقرىء : بضم الياء من أزف يزف أي دخل في الزفيف ، أو يحملون غيرهم على الزفيف . قال الأصمعي : أزففت الإبل أي حملتها على أن تزف ، وقيل : هما لغتان يقال : زف القوم وأزفوا وزفت العروس وأزففتها حكي ذلك عن الخليل ، قال النحاس : زعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه اللغة ، يعني يزفون بضم الياء ، وقد عرفها جماعة من العلماء منهم الفراء وشبهها بقولهم : اطردت الرجل أي صيرته إلى ذلك ، وقال المبرد : الزفيف الإسراع . قال الزجاج : الزفيف أول عدو النعام وقال قتادة والسدي معنى يزفون يمشون