صديق الحسيني القنوجي البخاري

579

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ أي من غير أن يتدبروا أنهم على الحق أو لا ، مع ظهور كونهم على الباطل بأدنى تأمل والإهراع الإسراع الشديد ، وقال الفراء : الإسراع برعدة ، وقال أبو عبيدة : يهرعون يستحثون من خلفهم ، يقال : جاء فلان يهرع إلى النار إذا استحثه البرد إليها ، وقال المفضل : يزعجون من شدة الإسراع ، قال الزجاج : هرع وأهرع إذا استحق وأزعج ، والمعنى يتبعون آباءهم في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم وذلك في الدنيا . وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أي قبل هؤلاء المذكورين أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ من الأمم الماضية بالتقليد ، ورفض الدليل وترك النظر وإيثار التأويل وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ أي أرسلنا في هؤلاء الأولين رسلا أنذروهم العذاب وحذورهم عواقب التقليد ، وبينوا لهم الحق فلم ينجع ذلك فيهم ، وكذلك لا ينجع في مقلدة هذا الزمان فما أشبه الليلة بالبارحة . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أي الذين أنذرتهم الرسل فإنهم صاروا إلى النار ، قال مقاتل : يقول كان عاقبتهم العذاب ، يحذر كفار مكة ، والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أو لكل من يتأتى منه التمكن من مشاهدة آثارهم ، ثم استثنى عباده المؤمنين فقال : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي إلا من أخلصهم اللّه بتوفيقهم إلى الإيمان والتوحيد ، وإيثار الدليل ، وترك التقليد ، وقرىء : المخلصين بكسر اللام أي الذين أخلصوا للّه طاعتهم ولم يشوبوها بشيء يغيرها . ولما ذكر سبحانه أن أرسل في الأمم الماضية منذرين ذكر تفصيل بعض ما أجمله فيما سبق فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 75 إلى 86 ] وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ( 75 ) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 76 ) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ ( 77 ) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ( 78 ) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ( 79 ) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 80 ) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 81 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ( 82 ) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ ( 83 ) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 84 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ ( 85 ) أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ( 86 ) وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ اللام هي الموطئة للقسم ، والمراد أن نوحا دعا ربه على قومه لما عصوه فأجاب اللّه دعاءه وأهلك قومه بالطوفان ، فالنداء هنا هو نداء الدعاء للّه ، والاستغاثة به ، كقوله : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] وقوله : أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [ القمر : 10 ] ، وحاصل ما يأتي من القصص سبع : قصة نوح ، وقصة إبراهيم ، وقصة إسماعيل ، وقصة موسى وهارون ، وقصة إلياس ، ولوط ويونس