صديق الحسيني القنوجي البخاري
569
فتح البيان في مقاصد القرآن
قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي قال الرؤساء أو الشياطين لهؤلاء القائلين : كنتم تأتوننا عن اليمين ، بل لم تكونوا مؤمنين ولم نمنعكم من الإيمان والمعنى أنكم لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم عن الإيمان إلى الكفر ، بل كنتم من الأصل على الكفر فأقمتم عليه ، أجابوا بأجوبة خمسة الأول بَلْ لَمْ تَكُونُوا الخ . والثاني قوله : وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أي قوة وقدرة وتسلط بقهر وغلبة حتى ندخلكم في الكفر ونخرجكم من الإيمان . والثالث قوله : بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ أي متجاوزين الحد في الكفر والضلال . والرابع قوله : فَحَقَّ عَلَيْنا أي وجب علينا وعليكم ولزمنا قَوْلُ رَبِّنا يعنون قوله تعالى : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ ص : 85 ] إِنَّا جميعا لَذائِقُونَ العذاب الذي ورد به الوعيد ، قال الزجاج : أي إن المضل والضال في النار . الخامس : فَأَغْوَيْناكُمْ أي أضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا فيه من الغي وزينا لكم ما كنتم عليه من الكفر ، فاستجبتم لنا باختياركم ، واستحبابكم الغي على الرشد . إِنَّا كُنَّا غاوِينَ فلا عتب علينا في تعرضنا لإغوائكم بتلك الدعوة لأنا أردنا أن تكونوا أمثالنا في الغواية ، ومعنى الآية : أقدمنا على إغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية ، فأقروا ههنا بأنهم تسببوا لإغوائهم لكن لا بطريق القهر والغلبة ، ونفوا عن أنفسهم فيما سبق أنهم قهروهم وغلبوهم فقالوا : وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ [ الصافات : 30 ] ثم أخبر اللّه سبحانه عن الاتباع والمتبوعين بقوله : فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ يتساءلون ويتحاورون ويتخاصمون بما سبق فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ كما كانوا مشتركين في الغواية إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي بأهل الإجرام ، وهم المشركون كما يفيده قوله سبحانه : إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ قولوا لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ عن القبول . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه فمن قال لا إله إلا اللّه فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللّه » « 1 » . وأنزل اللّه في كتابه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 2 ، والزكاة باب 1 ، والاستتابة باب 3 ، ومسلم في الإيمان حديث 32 ، وأبو داود في الزكاة باب 1 ، والترمذي في الإيمان باب 1 ، والنسائي في الزكاة باب 3 ، والجهاد باب 1 ، والتحريم باب 1 .