صديق الحسيني القنوجي البخاري

570

فتح البيان في مقاصد القرآن

وذكر قوما استكبروا فقال : إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وقال : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها [ الفتح : 26 ] وهي لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على قضية المدة ، وعن ابن عباس قال : كانوا إذا لم يشرك باللّه يستنكفون . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 36 إلى 47 ] وَيَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ( 36 ) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ( 37 ) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ ( 38 ) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 39 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ( 41 ) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ( 42 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 43 ) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ( 44 ) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 45 ) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ( 46 ) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ( 47 ) وَيَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ أي لقول شاعر مَجْنُونٍ لا يعقل : يعنون النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فحكى اللّه سبحانه صدقه ورد عليهم بقوله : بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ يعني القرآن المشتمل على التوحيد والوعد والوعيد وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ أي صدقهم فيما جاؤوا به من التوحيد والوعيد وإثبات الدار الآخرة ، ولم يخالفهم ولا جاء بشيء لم تأت به الرسل قبله . إِنَّكُمْ بسبب شرككم وتكذيبكم لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ أي الشديد ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب لإظهار كمال الغضب عليهم ، قرأ الجمهور : لَذائِقُوا بحذف النون وخفض العذاب ، وقرىء بحذفها ونصب العذاب ، وأجاز سيبويه أيضا وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ [ الحج : 35 ] بنصب الصلاة على هذا التوجيه ، وقد قرىء بإثبات النون ونصب العذاب على الأصل ، ثم بين سبحانه إن ما ذاقوه من العذاب ليس إلا بسبب أعمالهم فقال : وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما أو بما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الكفر والمعاصي ، ثم استثنى المؤمنين فقال : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ قرأ أهل المدينة والكوفة بفتح اللام ، أي الذين أخلصهم اللّه لطاعته وتوحيده وقرىء بكسرها أي الذين أخلصوا للّه العبادة والتوحيد ، والاستثناء إما متصل على تقدير تعميم الخطاب في تجزون لجميع المكلفين ؛ أو منقطع ، أي لكن عباد اللّه المخلصين لا يذوقون العذاب . أُولئِكَ المخلصون لَهُمْ رِزْقٌ يرزقهم اللّه إياه مَعْلُومٌ في حسن منظره وطيبه ولذته ورائحته وطعمه وعدم انقطاعه ، قال قتادة : يعني الجنة وقيل : معلوم الوقت وهو أن يعطوا منه بكرة وعشيا كما في قوله : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ مريم : 62 ] والنفس إليه أسكن .