صديق الحسيني القنوجي البخاري
568
فتح البيان في مقاصد القرآن
ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ أي أيّ شيء لكم لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا ، وتأخير هذا السؤال إلى ذلك الوقت لأنه وقت تنجيز العذاب وشدة الحاجة إلى النصرة ، وحالة انقطاع الرجاء عنها بالكلية ، فالتوبيخ حينئذ أشد وقعا وتأثيرا وأصل تناصرون تتناصرون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا ، وقيل : الإشارة بقوله : ما لَكُمْ إلى قول أبي جهل يوم بدر نحن جميع منتصر ، ثم أضرب سبحانه عما تقدم إلى بيان الحالة التي هم عليها هنالك فقال : بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ أي منقادون لعجزهم عن الحيلة ، قال قتادة : مستسلمون خاضعون في عذاب اللّه ، وقال الأخفش : ملقون بأيديهم ، يقال استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع . وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ أي بعض الكفار عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ أي يتلاومون ويتخاصمون ، قيل : هم الأتباع والرؤساء يسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتقريع ومخاصمة ، قال ابن عباس : ذلك إذا بعثوا في النفخة الثانية وقال مجاهد : هو قول الكفار للشياطين ، وقال قتادة : هو قول الإنس للجن ، والأول أولى لقوله : قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا في الدنيا . عَنِ الْيَمِينِ أي من جهة الحق والدين والطاعة وتصدوننا عنها قال الزجاج : كنتم تأتوننا من قبل الدين فتروننا أن الدين والحق ما تضلوننا به ، واليمين عبارة عن الحق ، وهذا كقوله تعالى إخبارا عن إبليس : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ [ الأعراف : 17 ] . قال الواحدي : قال أهل المعاني : إن الرؤساء كانوا قد حلفوا لهؤلاء الاتباع أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بإيمانهم فمعنى تأتوننا عن اليمين أي من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها فوثقنا بها ، قال : والمفسرون على القول الأول . وقيل : المعنى تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك عن جهة النصح ، والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح ، وقيل : اليمين بمعنى القوة أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر ، كما في قوله : فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [ الصافات : 93 ] أي بالقوة ، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر وكذلك جملة :