صديق الحسيني القنوجي البخاري

565

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأثاب ، فسماه عجبا ، وليس بعجب في الحقيقة فيكون معنى عجبت هنا عظم فعلهم عندي . وحكى النقاش : أن معنى بل عجبت بل أنكرت . قال الحسن بن الفضل : التعجب من اللّه إنكار الشيء وتعظيمه ، وهو لغة العرب ، وقيل : معناه الإنكار والذم ، وسئل الجنيد رحمه اللّه عن هذه الآية فقال : إن اللّه لا يعجب من شيء ولكن وافق رسوله ولما عجب رسوله قال : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [ الرعد : 5 ] ، أي هو كما تقوله ، وقيل : معناه أنه بلغ في كمال قدرته وكثرة مخلوقاته إلى حيث عجب منها . وَ هؤلاء لجهلهم يَسْخَرُونَ منها والواو للحال ، أي والحال ، أنهم يسخرون أو للاستئناف والمعنى : ويسخرون منك بسبب تعجبك ؛ أو بما تقوله من إثبات المعاد وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ أي وإذ وعظوا بموعظة من مواعظ اللّه أو مواعظ رسوله لا يتعظون بها ولا ينتفعون بما فيها . قال سعيد بن المسيب : أي إذا ذكر لهم ما حل بالمكذبين ممن كان قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا . وَإِذا رَأَوْا آيَةً أي معجزة من معجزات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كانشقاق القمر يَسْتَسْخِرُونَ أي يبالغون في السخرية . قال قتادة : يسخرون ويقولون : إنها سخرية ، يقال : سخر واستسخر بمعنى مثل : قر واستقر ، وعجب واستعجب ، والأول أولى ، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى ، وقيل : المعنى يستدعون السخري من غيرهم ، وقال مجاهد : يستهزئون وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي ما هذا الذي تأتينا به إلا سحر واضح ظاهر . أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ الاستفهام للإنكار أي أنبعث إذا متنا ، فالعامل في إذا هو ما دل عليه أئنا لمبعوثون ، وهو أنبعث ؟ لا نفس مبعوثون لتوسط ما يمنع من عمله فيه ، فبدلوا الفعلية بالاسمية ، وقدموا الظرف وكرروا الهمزة مبالغة في الإنكار ، وإشعارا بأن البعث مستنكر في نفسه ، وفي هذه الحالة أشد استنكارا وهذا الإنكار للبعث منهم هو السبب الذي لأجله كذبوا الرسل وما نزل عليهم ، واستهزأوا بما جاؤوا به من المعجزات ، وقد تقدم تفسير معنى هذه الآية في مواضع . أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ هو مبتدأ وخبره محذوف أي آباؤنا الأولون مبعوثون يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد وأبطل ، وقيل : معطوف على إن واسمها ، وقيل : على الضمير في مبعوثون لوقوع الفصل بينهما والهمزة للإنكار داخلة على حرف العطف ولهذا قرأ الجمهور بفتح الواو وقرىء : بسكونها على أن أو هي العاطفة ، وليست الهمزة للاستفهام ، ثم أمر اللّه سبحانه رسوله بأن يجيب عنهم تبكيتا لهم فقال : قُلْ نَعَمْ كلكم مبعوثون وَأَنْتُمْ داخِرُونَ أي صاغرون ذليلون والخطاب لهم