صديق الحسيني القنوجي البخاري

564

فتح البيان في مقاصد القرآن

الأصمعي : واللاتب اللاصق مثل اللازب ، والمعنى في الآية أن هؤلاء كيف يستبعدون المعاد وهم مخلوقون من هذا الخلق الضعيف ، ولم ينكره من هو مخلوق خلقا أقوى منهم وأعظم وأكمل وأتم ، وقيل : إن اللازب هو المنتن قاله مجاهد والضحاك . قيل وقد قرىء لازم ولاتب ولا أدري من قرأ بذلك ، قال ابن عباس : لازب ملتصق ، وقال : اللزج الجيد ، وقال اللازب والحمأ والطين واحد ، كان أوله ترابا ، ثم صار حمأ منتنا ، ثم صار طينا لازبا فخلق اللّه منه آدم . وعن ابن مسعود : اللازب الذي يلصق بعضه إلى بعض . والآية تشهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة ، أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب - الذي خلقوا منه - تراب فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله ؟ حيث قالوا : أَ إِذا كُنَّا تُراباً * ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث ، والغرض من هذا السياق إثبات المعاد والرد عليهم في دعوى استحالته ، ثم أضرب سبحانه عن الكلام السابق فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 12 إلى 24 ] بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ( 12 ) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ( 13 ) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ( 14 ) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 16 ) أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 17 ) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ ( 18 ) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ ( 19 ) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ ( 20 ) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 21 ) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ( 22 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ( 23 ) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ( 24 ) بَلْ عَجِبْتَ يا محمد من قدرة اللّه سبحانه أو من تكذيبهم إياك ، قرأ الجمهور بفتح التاء من عجبت على الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وقرىء بضمها ، وقال الفراء : قرأها الناس بنصب التاء ورفعها والرفع أحب إليّ لأنها عن علي وعبد اللّه وابن عباس ، قال : والعجب إن أسند إلى اللّه فليس معناه من اللّه كمعناه من العباد . قال الهروي : قال بعض الأئمة معنى بل عجبت بل جازيتهم على عجبهم لأن اللّه أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الخلق ، كما قال : وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ ص : 4 ] وقالوا : إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ ص : 5 ] أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ [ يونس : 2 ] وقال علي بن سليمان : معنى القراءتين واحد ، والتقدير : قل يا محمد : بل عجبت لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم مخاطب بالقرآن ، قال النحاس : وهذا قول حسن ، وإضمار القول كثير ، وقيل : إن معنى الإخبار من اللّه سبحانه عن نفسه بالعجب أنه ظهر من أمره وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين ، قال الهروي : ويقال معنى عجب ربكم أي رضى ربكم