صديق الحسيني القنوجي البخاري
560
فتح البيان في مقاصد القرآن
كل يوم ، قيل : أراد مشارق الكواكب ، والظاهر أنها مشارق الشمس ، قيل : إن اللّه خلق للشمس كل يوم مشرقا ومغربا بعدد أيام السنة تطلع كل يوم من واحد منها ، وتغرب في واحد ، كذا قال ابن الأنباري وابن عبد البر ، وأما قوله في سورة الرحمن رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [ الرحمن : 17 ] فالمراد بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال ، وأقصر يوم في الأيام القصار ، وكذلك في المغربين . وأما ذكر المشرق والمغرب بالإفراد فالمراد بهما الجهة التي تشرق منها الشمس والجهة التي تغرب فيها ، واقتصر على المشارق اكتفاء على حد : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] أي والمغارب للشمس ، ولم يعكس لأن شروق الشمس سابق على غروبها ، وأيضا فالشروق أبلغ في النعمة وأكثر نفعا من الغروب ، فذكر المشرق تنبيها على كثرة إحسان اللّه تعالى على عباده ، ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم عليه السلام بالمشرق فقال : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ . قال الكرخي : وجمع هنا المشرق وحذف مقابله وثناه في الرحمن وجمعه في المعارج وأفرده في المزمل مع ذكر مقابله في الثلاثة لأن القرآن نزل على المعهود من أساليب كلام العرب وفنونه ، ومنها الإجمال والتفصيل والذكر والحذف والتثنية والجمع ، والإفراد باعتبارات مختلفة ، فأفرد وأجمل في المزمل أراد مشرق الصيف والشتاء ومغربهما ، وجمع وفصل في المعارج ، أراد جميع مشارق السنة ومغاربها ، وهي تزيد على سبعمائة ، وثنى وفصل في الرحمن أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما ، وجمع وحذف هنا أراد جميع مشارق السنة ، واقتصر عليه لدلالته على المحذوف كما مرت الإشارة إليه ، وخص ما هنا بالجمع موافقة للجموع أول السورة ، وبالحذف مناسبة للزينة إذ هي إنما تكون غالبا بالضياء والنور ، وهما ينشئان من المشرق لا من المغرب وما في الرحمن بالتثنية موافقة للتثنية في يَسْجُدانِ [ الرحمن : 6 ] وفي : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [ الرحمن : 13 ] . وبذكر المقابلين موافقة لبسط صفاته تعالى وإنعاماته ثم ، وما في المعارج بالجمع موافقة للجمع قبله وبعده ، وبذكر المقابلين موافقة لكثرة التأكيد في القسم وجوابه ، وما في المزمل بالإفراد موافقة لما قبله من إفراد ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وما بعده ، من إفراد ذكر اللّه تعالى ، وبذكر المقابلين موافقة للحصر في قوله : لا إله إلا هو ، ولبسط أوامر اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم ثمة . إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ المراد بالسماء الدنيا التي تلي الأرض من الدنو وهو القرب ، فهي أقرب السماوات إلى الأرض ، قرأ الجمهور بإضافة زينة إلى الكواكب والمعنى زيناها بتزيين الكواكب ، أي بحسنها وقرىء : بتنوين زينة وخفض