صديق الحسيني القنوجي البخاري

561

فتح البيان في مقاصد القرآن

الكواكب على أنها بدل من الزينة على أن المراد بالزينة الاسم لا المصدر ، والتقدير بعد طرح المبدل منه : إنا زينا السماء بالكواكب فإن الكواكب في أنفسها زينة عظيمة فإنها في الليلة المظلمة في أعين الناظرين لها كالجواهر المتلألئة على سطح أزرق . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه بتنوين زينة ونصب الكواكب ، على أن الزينة مصدر ، وفاعله محذوف ، والتقدير بأن اللّه زين الكواكب بكونها مضيئة حسنة في أنفسها ، أو تكون الكواكب منصوبة بإضمار أعني ، أو بدلا من السماء بدل اشتمال ، وقيل : المعنى بضوء الكواكب لأن الضوء والنور من أحسن الصفات وأكملها ، ولو لم تحصل هذه الكواكب في السماء لكانت شديدة الظلمة عند غروب الشمس ؛ وقيل : زينتها أشكالها المتناسبة والمختلفة في الشكل ، كشكل الجوزاء وبنات نعش ، وغيرها وقيل : غير ذلك . وَحِفْظاً أي حفظناها حفظا ، وقيل : زيناها بالكواكب للحفظ ، وقيل : إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ أي عات متمرد خارج عن الطاعة ، يرمي بالكواكب والشهب ، كقوله : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : 5 ] . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 8 إلى 11 ] لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ( 8 ) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ ( 9 ) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ( 10 ) فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ( 11 ) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى مستأنفة لبيان حالهم بعد حفظ السماء منهم ، وقال أبو حاتم : أي لئلا يسمعوا ثم حذف أن فرفع الفعل وكذا قال الكلبي ، قال النسفي : وفيه تعسف يجب صون القرآن عن مثله ، فإن كل واحد من الحرفين غير مردود على انفراده ، ولكن اجتماعهما منكر ، والفرق بين سمعت فلانا يتحدث ، وسمعت إليه يتحدث ، وسمعت حديثه ، وإلى حديثه ، أن المعدى بنفسه يفيد الإدراك والمعدى بإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك انتهى . والملأ الأعلى أهل السماء الدنيا فما فوقها ، وسمي الكل منهم أعلى بإضافته إلى ملأ الأرض لأنهم سكان السماء ، والضمير في يسمعون للشياطين ، وقيل : إن جملة لا يَسَّمَّعُونَ صفة لكل شيطان . وقيل : جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل : فما حالهم بعد حفظ السماء عنهم ؟ فقال : لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى قرأ الجمهور : بسكون السين وتخفيف الميم ، وقرىء بتشديدهما والأصل يتسمعون فالأولى تدل على انتفاء سماعهم دون استماعهم ، والثانية تدل على انتفائهما وفي معنى الأولى قوله تعالى : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [ الشعراء : 212 ] قال مجاهد : كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون ،