صديق الحسيني القنوجي البخاري

559

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل : إنها تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها اللّه بما يريد ، وقال الحسن : صفا كصفوفهم عند ربهم في صلاتهم ، وقيل : المراد بالصافات هنا الطير كما في قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ [ الملك : 19 ] والأولى ، هو الأول والصف ترتيب الجمع على خط كما يصف في الصلاة ، وقيل : الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة وفي الجهاد ذكره القشيري : فَالزَّاجِراتِ زَجْراً أي الفاعلات للزجر من الملائكة إما لأنها تزجر السحاب كما قال السدي ، وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح ، وقال قتادة : المراد بالزاجرات الزواجر من القرآن ، وهي كل ما ينهي ويزجر عن القبيح والأول أولى ، وانتصاب صفا وزجرا على المصدرية لتأكيد ما قبلهما وقيل : المراد بالزاجرات العلماء لأنهم هم الذين يزجرون أهل المعاصي عن المعاصي والزجر في الأصل الدفع بقوة ، وهو هنا قوة التصويت ومنه زجرت الإبل والغنم إذا أفزعتها بصوتك . فَالتَّالِياتِ ذِكْراً أي الملائكة التي تتلو القرآن كما قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير والسدي ، وقيل : المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع تعظيما له مع أنه لا يخلو من أتباع له من الملائكة ، وقال قتادة : المراد كل من تلا ذكر اللّه وكتبه ، وقيل : المراد آيات القرآن ووصفها بالتلاوة وإن كانت متلوة ، كما في قوله : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ [ النمل : 76 ] وقيل : لأن بعضها يتلو بعضا ويتبعه . وذكر الماوردي : أن التاليات هم الأنبياء يتلون الذكر على أممهم ؛ وانتصاب ذكرا على أنه مفعول به ، ويجوز أن يكون مصدرا كما قبله ، قيل : وهذه الفاء في قوله : فَالزَّاجِراتِ فَالتَّالِياتِ إما لترتيب الصفات أنفسها في الوجود ، أو لترتيب موصوفاتها في الفضل ؛ وفي الكل نظر . إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ جواب القسم أي : أقسم اللّه بهذه الأقسام أنه واحد ليس له شريك وأجاز الكسائي فتح إن الواقعة في جواب القسم وإنما أقسم بهذه الأشياء للتنبيه على شرف ذواتها وكمال مراتبها ، والرد على عبدة الأصنام في قولهم ، وللتأكيد لما تقدم لا سيما والقرآن أنزل بلغة العرب ، وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عندهم ، قال ابن الأنباري : الوقف على ( لواحد ) وقف حسن ثم يبتدئ . رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ على معنى هو ربهما ، وقيل : غير ذلك ، والمعنى في الآية : إن وجود هذه المخلوقات على هذا الشكل البديع من أوضح الدلائل على وجود الصانع وقدرته وأنه رب ذلك كله ، أي خالقه ومالكه وَما بَيْنَهُما أي من المخلوقات والكائنات . وَرَبُّ الْمَشارِقِ أعاد الرب فيها لما فيها من غاية ظهور آثار الربوبية وتجددها