صديق الحسيني القنوجي البخاري

550

فتح البيان في مقاصد القرآن

ينسخ العام بل يخصصه فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه كان مخصصا لما في هذه الآية من العموم ا ه . تفسير الإمام الخازن : قال رحمه اللّه عند هذه الآية : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] بعد أن قدم النصوص الدالة على جواز الدعاء والصدقة والحج عن الميت : والمشهور من مذهب الشافعي أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها ، وقال جماعة من أصحابه : يصله ثوابها ، وبه قال أحمد . وأما الصلوات فلا يصله عند الشافعي والجمهور ا ه . تفسير المنار : قال رحمه اللّه في تفسيره عند آية : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] في آخر سورة الأنعام بعد بحث طويل قال ما حاصله : إن كل ما جرت به العادة من قراءة القرآن والأذكار وإهداء ثوابها إلى الأموات واستئجار القراء وحبس الأوقاف على ذلك بدع غير مشروعة ، ومثلها ما يسمونه إسقاط الصلاة ولو كان لها أصل في الدين لما جهلها السلف ولو علموها لما أهملوا العمل بها . وقال أيضا : وإن حديث قراءة سورة يس على الموتى غير صحيح وإن أريد به من حضرهم الموت . وأنه لم يصح في هذا الباب حديث قط كما قال بذلك المحدث الدارقطني . واعلم أن ما اشتهر وعم البدو والحضر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد فيه حديث صحيح ولا ضعيف ، فهو من البدع المخالفة لما تقدم من النصوص القطعية ولكنه صار بسكوت اللابسين لباس العلماء وبإقرارهم له ، ثم بمجاراة العامة عليه من قبيل السنن المؤكدة أو الفرائض المحتمة . قال : وخلاصة القول إن المسألة من الأمور التعبدية التي يجب فيها الوقوف عند نصوص الكتاب والسنة وعمل الصدر الأول من السلف الصالح . قد علمنا أن القاعدة المقررة في نصوص القرآن الصريحة والأحاديث الصحيحة أن الناس لا يجزون في الآخرة إلا بأعمالهم : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً [ الانفطار : 19 ] وقال تعالى : وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً [ لقمان : 33 ] وإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بلغ أقرب أهل عشيرته إليه بأمر ربه : « أن اعملوا لا أغني عنكم من اللّه شيئا » « 1 » وإن مدار النجاة في الآخرة على تزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح ا ه .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الوصايا باب 11 ، وتفسير سورة 26 ، باب 2 ، والنسائي في الوصايا باب 6 ، والدارمي في الرقاق باب 23 ، وأحمد في المسند 1 / 206 .