صديق الحسيني القنوجي البخاري
524
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَلَوْ نَشاءُ أن نطمس لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ أي أذهبنا أعينهم وجعلناها بحيث لا يبدو لها شق ولا جفن ، قال الكسائي : طمس يطمس ويطمس والطميس والمطموس عند أهل اللغة الذي ليس في عينيه شق كما في قوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [ البقرة : 20 ] ، قال السدي والحسن : المعنى لتركناهم عميا يترددون لا يبصرون طريق الهدى ، واختار هذا ابن جرير ، قال ابن عباس في الآية : أعميناهم وأضللناهم عن الهدى ، وقال عطاء ومقاتل وقتادة : المعنى لو نشاء لفقأنا أعينهم وأعميناهم عن غيهم ، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم واهتدوا ، وتبادروا إلى طريق الآخرة . فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ معطوف على لطمسنا أي تبادروا إلى الطريق ليجوزوه ويمضوا فيه والصراط منصوب بنزع الخافض أي فاستبقوا إليه وقرىء : فاستبقوا على صيغة الأمر . أي فيقال لهم : استبقوا وفي هذا تهديد لهم . فَأَنَّى أي فكيف يُبْصِرُونَ الطريق ويحسنون سلوكه ولا أبصار لهم ثم كرر التهديد لهم فقال : وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ المسخ تبديل الخلقة أي تغيير الصورة وإبطال القوى إلى حجر أو غيره من الجماد أو بهيمة والمكانة المكان أي : لو شئنا لبدلنا خلقهم على المكان الذي هم فيه ، قيل : والمكانة أخص من المكان كالمقامة والمقام ، قال الحسن : أي لأقعدناهم ، وقيل : لمسخناهم في المكان الذي فعلوا فيه المعصية ، وقيل : المعنى لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم قاله ابن عباس ، وقال يحيى بن سلام : هذا كله يوم القيامة قرأ الجمهور : عَلى مَكانَتِهِمْ بالإفراد وقرىء : على مكاناتهم بالجمع . فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ أي لا يقدرون على ذهاب ولا مجيء . قال الحسن : فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم ، وكذلك الجماد لا يتقدم ولا يتأخر ، وقرىء : مضيا بضم الميم وبفتحها وبكسرها ، قيل : والمعنى لا يستطيعون رجوعا ، يقال : مضى يمضي مضيا إذا ذهب في الأرض ورجع يرجع رجوعا إذا عاد من حيث جاء . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 68 إلى 69 ] وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ قرأ الجمهور : ننكسه بفتح النون الأولى وسكون الثانية وضم الكاف مخففة ، وقرىء : بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة والتنكيس جعل الشيء أعلاه أسفله ، والمعنى : من نطل عمره نغير