صديق الحسيني القنوجي البخاري
525
فتح البيان في مقاصد القرآن
خلقه ، ونجعله على عكس ما كان عليه أولا من القوة والطراوة قال الزجاج المعنى من أطلنا عمره نكسنا خلقه فصار بدل القوة الضعف ، وبدل الشباب الهرم ، ومثل هذه الآية قوله سبحانه : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [ النحل : 70 ] . وقوله : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ التين : 5 ] . أَ فَلا يَعْقِلُونَ ؟ قرأ الجمهور بالتحتية وقرىء بالفوقية على الخطاب أي أفلا يعلمون بعقولهم أن من قدر على ذلك قدر على البعث والنشور ؟ ولما قال كفار مكة إن القرآن شعر ، وإن محمدا شاعر ، رد اللّه عليهم بقوله : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ والمعنى نفي كون القرآن شعرا ، لأن الشعر كلام متكلف موضوع ، ومقال مزخرف مصنوع ، منسوخ على منوال الوزن والقافية ، مبني على خيالات وأوهام واهية ، فأين ذلك من التنزيل الجليل المنزه عن مماثلة كلام البشر ؟ المشحون بفنون الحكم والأحكام الباهرة . الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة ، ثم نفى أن يكون النبي شاعرا فقال : وَما يَنْبَغِي لَهُ أي لا يصح له الشعر ولا يتأتى منه ، ولا يتسهل عليه لو طلبه ، وأراد أن يقوله بالطبع والسجية ، كما جعلناه أميا لا يهتدي إلى الخط لتكون الحجة أثبت ، والشبهة أدحض ، بل كان صلى صلّى اللّه عليه وسلم إذا أراد أن ينشد بيتا قد قاله شاعر متمثلا به كسر وزنه ، فإنه لما أنشد بيت طرفة بن العبد المشهور وهو قوله : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزود « 1 » قال ويأتيك من لم تزود بالأخبار ، وأنشده مرة أخرى قول العباس بن مرداس السلمي : أتجعل نهبي ونهب العبي * د بين عيينة والأقرع « 2 » فقال : بين الأقرع وعيينة ، وأنشد أيضا : كفى بالإسلام والشيب ناهيا فقال أبو بكر : يا رسول اللّه إنما قال الشاعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا « 3 »
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان طرفة بن العبد ص 41 ، ولسان العرب ( تبت ) ، ( ريث ) وتاج العروس ( رجز ) ، والبيت بلا نسبة في قطر الندى ص 108 ، ولسان العرب ( ضمن ) . ( 2 ) البيت من المتقارب ، وهو في ديوان العباس بن مرداس ص 84 ، ولسان العرب ( نهب ) ، ( عبد ) ، وتاج العروس ( نهب ) ، ( عبد ) . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو لسحيم عبد بني الحسحاس في الإنصاف 1 / 168 ، وخزانة الأدب 1 / 267 ، 2 / 102 ، 103 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 141 ، وشرح التصريح 2 / 88 ، وشرح شواهد -