صديق الحسيني القنوجي البخاري
521
فتح البيان في مقاصد القرآن
عنهم ، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم » « 1 » . قال ابن كثير في إسناده نظر . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : إن اللّه هو يسلم عليهم . وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ هو على إضمار القول مقابل ما قيل للمؤمنين ، أي ويقال للمجرمين : امتازوا أي اعتزلوا من مازه يميزه ، يقال مزت الشيء من الشيء إذا عزلته عنه ونحيته ، قال مقاتل : معناه اعتزلوا اليوم يعني في الآخرة من الصالحين ، وقال السدي : كونوا على حدة ، وقال الزجاج : انفردوا عن المؤمنين ، وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة ، وقيل : إن لكل كافر في النار بيتا فيدخل ذلك البيت ويردم بابه فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى ، فعلى هذا القول يمتاز بعضهم عن بعض . وقال قتادة : عزلوا عن كل خير . وقال الضحاك : يمتاز المجرمون بعضهم من بعضهم فيمتاز اليهود فرقة ، والنصارى فرقة ، والمجوس فرقة ، والصابئون فرقة ، وعبدة الأوثان فرقة . وقال داود بن الجراح : يمتاز المسلمون من المجرمين إلا أصحاب الأهواء فإنهم يكونون مع المجرمين . ثم وبخهم سبحانه وقرعهم بقوله : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ وهذا من جملة ما يقال لهم ، والعهد الوصية والتقدم بأمر فيه خير ومنفعة ، والمراد هنا : ما كلفهم اللّه به على ألسنة الرسل من الأوامر والنواهي ، أي ألم أوصكم وأبلغكم على ألسن رسلي أن لا تطيعوا الشيطان . قال الزجاج : المعنى ألم أتقدم إليكم على لسان الرسل يا بني آدم ، وقال مقاتل : يعني الذين أمروا بالاعتزال ، وقيل : المراد بالعهد هنا الميثاق المأخوذ عليهم حين أخرجوا من ظهر آدم ، وقيل : هو ما نصبه اللّه لهم وركزه فيهم من الدلائل العقلية التي في سماواته وأرضه وما أنزل عليهم من أدلة السمع . وعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم وإنما عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها ولوقوعها في مقابلة عبادة اللّه . وجملة : إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تعليل لما قبلها من النهي عن طاعة الشيطان وقبول وسوسته وَأَنِ اعْبُدُونِي أن في الموضعين هي المفسرة للعهد ، الذي فيه معنى القول ، ويجوز أن تكون مصدرية فيهما أي : ألم أعهد إليكم بأن لا تعبدوا الشيطان وبأن اعبدوني ، أو ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان وفي عبادتي ؟ وتقديم النهي على
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب 13 .