صديق الحسيني القنوجي البخاري

522

فتح البيان في مقاصد القرآن

الأمر لما أن حق التخلية التقديم على التحلية كما في كلمة التوحيد وليتصف به قوله : هذا أي عبادة اللّه وتوحيده أو دين الإسلام صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ بليغ في الاستقامة ولا صراط أقوم منه . ثم ذكر سبحانه عداوة الشيطان لبني آدم فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 62 إلى 67 ] وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( 62 ) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 63 ) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 64 ) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 65 ) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ( 66 ) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ( 67 ) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً اللام هي الموطئة للقسم ، والجملة مستأنفة لتشديد التقريع وتأكيد التوبيخ ، أي واللّه لقد أضل ، قرىء : جبلا بكسر الجيم والباء وتشديد اللام ، وبضم الجيم وسكون الباء وبضمتين مع تخفيف اللام ، وبضمتين مع تشديد اللام ، وقرىء بكسر الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام . قال النحاس : وأبينها القراءة الأولى ، والدليل على ذلك أنهم قد قرأوا جميعا : وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ بكسر الجيم والباء وتشديد اللام فيكون جبلا جمع جبلة واشتقاق الكل من جبل اللّه الخلق أي خلقهم ومعنى الآية : أن الشيطان قد أغوى خلقا كثيرا ، كما قال مجاهد ، وقال قتادة جموعا كثيرة وقال الكلبي أمما كثيرة ، قال الثعلبي : والقراءات كلها بمعنى الخلق ، وقرىء جيلا بالجيم والياء التحتية ، وقال الضحاك : الجيل الواحد عشرة آلاف ، والكثير ما يحصيه إلا اللّه عز وجل . أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ الهمزة للتوبيخ والتقريع والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام كما تقدم في نظائره ، أي أتشاهدون آثار العقوبات ؟ فلم تكونوا تعقلون أو أفلم تكونوا تعقلون عداوة الشيطان لكم ؟ أو أفلم تكونوا تعقلون شيئا أصلا ؟ قرىء الفعلان بالخطاب وبالغيبة . هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ بها في الدنيا على ألسنة الرسل ، والقائل لهم الملائكة ، وهو استئناف خوطبوا به بعد تمام التوبيخ عند إشرافهم على شفير جهنم ، ثم يقولون لهم : اصْلَوْهَا أمر تبكيت وإهانة كقوله : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [ الدخان : 49 ] أي قاسوا حرها وادخلوها الْيَوْمَ وذوقوا أنواع العذاب فيها بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي بسبب كفركم باللّه في الدنيا وطاعتكم للشيطان وعبادتكم للأوثان . الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ قال المفسرون إنهم ينكرون الشرك وتكذيب الرسل كما في قولهم : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] فيختم اللّه على أفواههم