صديق الحسيني القنوجي البخاري

52

فتح البيان في مقاصد القرآن

لحالهم في معاملة الخالق بعد بيان حالهم في معاملة الخلق ، وتخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل أحمض ، وأبعد عن الرياء ، وتأخير القيام للفاصلة والبيتوتة ، هي أن يدركك الليل ، نمت أم لم تنم قال الزجاج : من أدركه الليل فقد بات ، نام أو لم ينم ، كما يقال بات فلان قلقا ، قال النسفي : والظاهر أنه وصفهم بإحياء الليل أو أكثره . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً أي لزوما كليا في حق الكفار . ولزوما بعده إطلاق إلى الجنة في الجنة في حق عصاة المؤمنين ، أي هم مع طاعتهم ، وحسن معاملتهم لخالقهم ، وخلقه ، لا يؤمنون مكر اللّه ، بل هم مشفقون ، وجلون ، خائفون من عذابه ، والغرام الشر اللازم الدائم قاله ابن زيد كما ورد مرفوعا إليه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومنه سمي الغريم لملازمته ، ويقال فلان مغرم بكذا ، أي ملازم له ، مولع به هذا معناه في كلام العرب ، كما ذكره ابن الأعرابي ، وابن عرفة ، وغيرهما . وقال الزجاج : الغرام أشد العذاب ، وقال أبو عبيدة : هو الهلاك الدائم . إِنَّها ساءَتْ تعليل لما قبلها ، أي بئست جهنم ، أو أحزنت أصحابها وداخلها مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً المراد بهما جهنم ، فلذلك جاز تأنيث فعله قيل هما مترادفان وإنما عطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظهما . وقيل بل هما مختلفان معنى ، فالمستقر للعصاة ؛ فإنهم يخرجون ، والمقام للكفار فإنهم يخلدون ، والمخصوص بالذم محذوف ، أي هي ، ويجوز أن يكون هذا من كلام اللّه سبحانه ، ويجوز أن يكون حكاية لكلامهم ، ثم وصفهم سبحانه بالتوسط في الانفاق فقال : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا على عيالهم لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا بفتح التحتية وضم الفوقية من قتر يقتر كقعد يقعد وقرىء بفتح التحتية وكسر التاء ، وهي لغة معروفة حسنة ، وقرىء بضم التحتية وكسر الفوقية ، قال أبو عبيدة : يقال قتر الرجل على عياله ، يقتر ويقتر قترا ، وأقتر يقتر اقتارا . ومعنى الجميع التضييق في الانفاق . قال النحاس : من أحسن ما قيل في معنى الآية إن من أنفق في غير طاعة اللّه فهو الإسراف ، ومن أمسك عن طاعة اللّه فهو الاقتار ، ومن أنفق في طاعة اللّه فهو القوام ، وقال إبراهيم النخعي : هو الذي لا يجيع ، ولا يعرى ، ولا ينفق نفقة - تقول الناس قد أسرف . وقال يزيد بن حبيب : أولئك أصحاب محمد ، كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثوبا للجمال ، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ، ويقويهم على عبادة اللّه ، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويقيهم الحر والبر . وقال أبو عبيدة : لم يزيدوا على المعروف ولم يبخلوا ، كقوله : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء : 29 ] . قال ابن عباس : هم المؤمنون لا يسرفون فينفقوا في معصية اللّه ولا يقترون فيمنعوا حقوق اللّه قال عمر بن