صديق الحسيني القنوجي البخاري
511
فتح البيان في مقاصد القرآن
النبات وتعييش الحيوان ، ولأن لكل واحد منهما سلطانا على انفراده فلا يتمكن أحدهما من الدخول على الآخر فيذهب سلطانه إلى أن يأذن اللّه بالقيامة فتطلع الشمس من مغربها ، ويفهم من الآية أن حركتها بالتسخير لا بإرادتها . ونفى اللّه تعالى الإدراك عن الشمس دون عكسه ، لأن مسير القمر أسرع ، لأنه يقطع فلكه في شهر ، والشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة ، فكانت جديرة بأن توصف بنفي الإدراك لبطء سيرها ، وكان القمر خليقا بأن يوصف بنفي السبق لسرعة سيره كما سيأتي ، وقال الضحاك : معناه إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء ، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء ، وقال مجاهد : أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر ، وقال الحسن إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة ، وكذا قال يحيى بن سلام . وقيل : معناه إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منزل لا يشتركان فيه ، وقيل : القمر في سماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة ذكره النحاس والمهدوي ، قال النحاس وأحسن ما قيل في معناه وأبينه أن سير القمر سريع والشمس لا تدركه في السير ، وأما قوله تعالى : وجمع الشمس والقمر فذلك حين حبس الشمس عن الطلوع على ما تقدم بيانه في الأنعام ، ويأتي في سورة القيامة أيضا ، وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا وقيام الساعة . وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أي لا يسبقه فيفوته ، ولكن يعاقبه ويجيء كل واحد منهما في وقته ، ولا يسبق صاحبه . وقيل : المراد من الليل والنهار آيتاهما وهما الشمس والقمر ، يكون عكس قوله : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر أي ولا القمر سابق الشمس ، وإيراد السبق مكان الإدراك لسرعة سير القمر وهما نيران لا يزال أمرهما على هذا الترتيب إلى أن تقوم الساعة ، فيجمع اللّه بين الشمس والقمر ، وتطلع الشمس من مغربها . وهذا لا ينافي أن الليل برمته سابق في الوجود على النهار برمته ، وهو أحد قولين . واستدل بعضهم بهذه الآية على أن النهار مخلوق قبل الليل وأن الليل لم يسبقه بالخلق ووجه الاستدلال : أن المعنى ليس الليل سابق النهار ، يعني بل النهار هو السابق وهذا ينظر إلى مقابلة جملة الليل بجملة النهار ، والآية محتملة لكل من القولين . وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ التنوين في كل عوض من المضاف إليه أي وكل واحد منهما والفلك هو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة ، قال العماد بن كثير في البداية والنهاية : حكى ابن حزم وابن الجوزي وغير واحد الإجماع على أن السماوات كرية مستديرة واستدل عليه بهذه الآية . قال الحسن : يدورون . وقال ابن عباس في فلكة مثل فلكة المغزل قالوا : ويدل على ذلك أن الشمس